إذا كان الأمر علي هذه الصورة ، فالقراءة علي العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان ، وهو ما أردنا بيانه ) . ا هـ .
وقد ذكر قبل هذا الوجه خمسة أوجهٍ في بيان العلل التي من أجلها صار التعلم من أفواه الرجال أفضل من التعلم من المصحف ، فالتنظر في (( شرح إحياء علوم الدين )) ([22])
العائق الرابع
أخذ العلم عن الأصاغر
لقد فشت ظاهرة أخذ العلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن .
وهذه الظاهرة – في الحقيقة – داء عضال ، ومرض مزمن يعيق الطالب عن مراده ، ويعوج به عن الطريق السليم الموصل إلي العلم .
وذلك لأن اخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم ، ولم تشب لحاهم في وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدماً ، يضعف أساس المبتدئ ، ويحرمه الإستفادة من خبرة العلماء الكبار ، واكتساب أخلاقهم التي قومها العلم والزمن ... إلي غير ذلك من التعليلات التي يوحي بها أثر ابن مسعود – رضي الله عنه – حيث يقول :
( ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، وعن أمنائهم ، وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم ، وشرارهم هلكوا ) .
وثبت الحديث عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ص قال :
(( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر )).
وقد اختلف الناس في تفسير : (( الصغار )) هنا علي أقوال ذكرها ابن عبد البر في (( الجامع )) ( 1/157 ) ، والشاطبي في (( الاعتصام )) ( 2/93 )
وقد ذهب ابن قتيبة – رحمه الله تعالي – إلى أن الصغار هم صغر الاسنان ، فقال علي أثر ابن مسعود الآنف الذكر : ( يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، وحِدته وعجلته ، وسفهه ، واستصحب التجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن : الوقار ، والجلالة ، والهيبة .