تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وختاماً أذكر محاورة بين اثنين ، تبين قيمة العلم ومكانته العالية وأنه لا يحصل إلا لمن بذل فيه كل شيءٍ ، على حد قولهم (( أعط للعلم كلك يعطيك بعضه )) .

قال رجل لآخر : بم أدركت العلم ؟

قال : طلبته فوجدته بعيد المراد ، لا يصاد بالسهام ، ولا يرى في المنام ،ولا يورث عن الآباء والأعمام .

فتوسلت إليه بافتراش المدارِ ، واستناد الحجر ، وإدمان السهر وكثرة النظر ، وإعمال الفكر ومتابعة السفر ، وركوب الخطر : فوجدته شيئاً لا يصلح إلا للغرس ولا يغرس إلا في النفس ، ولا يسقي إلا بالدرس .

أرأيت من يشغل نهاره بالجمع ، وليله بالجماع هل يخرج من ذلك فقيهاً ؟ كلا والله .

إن العلم لا يحصل إلا لمن اعتضد الدفاتر ، وحمل المحابر ، وقطع القفار ، وواصل في الطلب الليل والنهار ([49])

ولعل في هذه الممحاورة الظريفة ما يزيل الصورة المترسبة في أذهان بعض الطلبة : من أن العلم ينال في مدة وجيزة ،وفترة قصيرة ، فيواصلوا جهودهم ، ويحتقروا مبذولهم ، في طريق العلم والتعلم ، حتى يفتح الله عليهم أبواب المعرفة والعلم ليصبحوا قادة في العلم ، أئمة في الهدى .

العائق الثامن

دنو الهمة

نرى بين صفوف العلم أناساً يمتلكون مواهب جليلة ، وقدرات هائلة ، تؤهلهم للزعامة العلمية ، إلا أن دنو همتهم يمحق مواهبهم ، ويزيل بهاء ننبوغهم ، فتجدهم يقنعون بيسير المعلومات ،ويأنفون من القراءة والمطالعة ، ويتشاغلون في الطلب والتحصيل .

وهؤلاء سرعان ما تنزع ملكية قدراتهم ، وتسلب بركة اوقاتهم . ذلك بأن كفر النعمة مؤذن برحيلها ، كما أن شكرها مؤذن بمزيدها .

قال الفراء – رحمه الله تعالى – لا أرحم أحداً كرحمتى لرجلين : رجل يطلب العلم ولا فهم له . ورجل يفهم ولا يطلبه . وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم . ([50])

وقال أبو لافرج ابن الجوزي – رحمه الله – تعليقاً على قول أبي الطيب المتنبي :

ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام \

عوائق الطلب · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عوائق الطلبص ٢٠