يا أبتي: إني أفتش في صدور القوم المحيطين بي عن حب لي وعطف علي، فلا أجد سوى قلوب ملئت حقداً وبغضاً، وأبحث عن السبب في صفحات الماضي التي طواها الزمن فأجدني قد أذقتهم مر الإساءة والأذى.
فما زالت يدي تعبث في بيوتهم، فتهشم ممتلكاتهم، وتتلف مقتنياتهم..
وما فتئ لساني يقدح فيهم وينتقصهم ويلمزهم ويسخر منهم..
وما برحت أضرب أبناءهم وفلذات أكبادهم، وأتعدي عليهم أمام أسماعهم وأبصارهم فتنهشني أعينهم، وتهطل علي وابل لعنات قلوبهم وتكاد تسقط عين أحدهم أمامه لفرط دهشته منك عندما لا يراك تحرك ساكناً أو تسكن متحركاً.
فإذا قام قائمهم ليعنفني بكلمة، أو ليقومني بضربة نظرت إليه شزراً، وقمت معاتباً وذهبت مغاضباً.
حرص بنيك على الآداب في الصغر كيما تقر بهم عيناك في الكبر
وإنما مثل الآداب تجمعها في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
يا أبتي: كان الخطأ مني مصدر لطافة ودعابة وشقاوة في مبتداه. ثم صار طبعاً يسري في عروقي ويخالط سجيتي في منتهاه، فكيف أصلح اليوم خطأ الأمس؟ وقد ترسب في النفس؟ قد ينفع الأدب الأحداث في صغر وليس ينفعهم من بعده الأدب
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت وليس يلين إذا قومته الحطب
فهلا قومت أخطائي، وعاقبتني على زلاتي، وألزمتني حدودي، حتى لا تعظم خطيئتي، ويكبر عدواني، ويزداد أعدائي.
بين مشرق ومغرب
يا أبتي: يهتز قلبي فرحاً ويمتلىء وجداني سروراً عندما أكون طوع أمرك وأمر والدتي، فأمتثل أمركما وألتزم بما يصدر عنكما ومنكما في غير معصية الله تعالى.
ولكن الحيرة تمتلكني، والدهشة تسكنني، وأقف مذهولاً عندما تتنازعني رغباتكما المتباينة، وآراؤكما المختلفة، وأقوالكما المتضاربة وأوامركما المتضادة.
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
فأنت تأمرني بأمر والدتي تنهاني عنه..
وأنت تحثني على عمل والدتي تحذرني منه..
وأنت ترغبني في شأن والدتي تتوعدني عليه..