فهو في مكابدة ومجاهدة ، ومغالبة ومجالدة حتى يخرج منها فيرتاح من عنائها إذا حقَّت له رحمة الله ووجبت له مغفرته .
طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأكدار والأضرار
ومكلِّف الأيام ضدَّ طباعها متطلب في الماء جذوة نار
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر " (1)
وأنَّى لمن كان في سجنٍ أن يكون له تمام السعادة وكمال البهجة ؟! وخصوصاً من كان أسير هواه ، سجين شهواته ، حبيس نزواته !
" كان سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني الحنفي ممن جمع رئاسة الدين والدنيا ، خرج عليه يوماً وهو في موكبه في مسخن حمام يهوديٌّ في أطمار سجم من خانه ، فقال : ألستم تروون عن نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ؟ وأنا عبد كافر وترى حالي ، وأنت مؤمن وترى حالك ، فقال له على البديهة : إذا أنت صرت غداً إلى عذاب الله كانت هذه جنتك ، وإذا صرت أنا إلى نعيم الله ورضوانه ، كان هذا سجني . فعجب الخلق من فهمه وبراعته " (2)
هيَ الدارُ دارُ الأذى والقذى ودارُ الفناءِ ودارُ الغِيَر
فلو نِلتَها بحذافيرها لَمُتَّ ولم تقضِ منها الوطَر (3)
كم في الزوايا من رزايا !
رؤية أهل البلايا ، والوقوف على أحوال أصحاب المصائب والمصاعب ، والمحن والفتن في المستشفيات والسجون ودور الإعاقة ومستشفيات النقاهة والأمل ، وما يحدث في المحاكم ودور القضاء ، ليرى كم لديه من نعم سُلبت من غيره ، وكم لله عنده من آلاء لا يحصيها العاد ، ولا ينتبه إليها الغافل ، ولا يحس بها إلاَّ من فقدها أو رأى من حُرم منها .
(1) صحيح مسلم (3/1797) (2956) .
(2) الزهد ـ للإمام أبي عبد الله القرطبي ( صاحب التفسير ) ـ ص 71 ، وقد رويت عن أمير المؤمنين في الحديث ؛ صاحب فتح الباري ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى .
(3) أبو العتاهية .