إن من نعم الله على الإنسان أن جعله على ضعفه أقوى من المخاوف والمهالك المحيطة به، فلا يسلب الإنسان سلاحه، ولا يكف عن شجاعته، وليصلح بما في نفسه من الشجاعة والإقدام والطموح والعزم والكبرياء. وإلا لجأ الناس إلى الصوامع، وقعدوا باكين من ذكر الموت فزعين من نذره، وجلين من الآفات التي يعرضون لها في كدحهم للمعايش، وسيرهم إلى الغايات التي خلقهم الله لها ودعاهم إليها.
الأربعاء 12 صفر/22 نوفمبر
شتان ما بين إنسان وإنسان
سمعت في كراچي قائلا يقول: قد استأجرنا هذه الدار ورممناها، وكان هنا جدار بين دارنا والدار المجاورة، جدار قصير مائل خرب فهدمناه وأقمنا هذا الجدار السوي الذي ترى، قال: والعجب أن صاحبة الدار المجاورة جاءت تقول: لم هدمتم جداري؟ قلنا كذا وكذا، وهذه أنقاضه، فخذيها. فأخذت الأنقاض، وما كادت تقنع. قلت: وجار لنا في مصر أردنا أن نبني بالبلاط حجرة صغيرة واقتضى العمل أن نضع بلاطات فوق الجدار الذي بيننا، قال: جداري لا تضعوا عليه شيئا! فعجبنا وقلنا: إن من الناس من تحمل مروءته أن توضع هذه البلاطات على كتفه. ثم قال: اكتبوا أنه جداري وأن وضع أحجاركم عليه لا يكسبكم فيه حقا، فكتبنا. قال: لا بد من تسجيل الورقة، وهذا يحوج إلى مال. فعلمنا أنه يريد أجرا لوضع الأحجار على جداره، وكان جارنا غنيا واسع الغنى، قلنا: قبحك الله وقبح جدارك وجوارك ورفعنا أحجارنا واسترحنا!
ومن الناس من يأذن لك أن تهدم جداره لمنفعتك مروءة ورعاية للجوار، بل من يهدم جداره لك أو يعمل ما هو أعظم نفقة ومشقة من هدم جدار.
وهكذا يجد المتأمل فروقا بين إنسان وإنسان، أكثر ما يجد بين جنسين من الحيوان، نفس فيها شجاعة ومروءة ومودة وصدق، ينال نجدتها البعيد والقريب، ونفس شحيحة جبانة خداعة كذابة يحرم معروفها البعيد والقريب؛ بل تحرم هي معروفها فلا تنتفع بما تملك من مال، ولا تنعم بما أفيض عليها من نعمة. الأولى شجرة مظلة مثمرة في البرية يأكل منها الناس ويأوون إليها، والثانية شجرة جرداء شائكة لا ينال أحد ظلها ولا ثمرها، ولا يسلم من شوكها من اقترب منها.
يفر جبان القوم عن أم رأسه
ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
ويرزق معروف الجواد عدوه
ويحرم معروف البخيل أقاربه
الخميس13 صفر /23 نوفمبر
آفة الناس هذا التسلح
شهدنا - لشقائنا - في صبانا وكهولتنا حربين طاحنتين لأمد مرتين، عمت العالم نيرانهما وشملت الأقطار مصائبهما. والدول الكبرى اليوم في شغل شاغل من الإعداد للحرب بآلات فيها قنابل الذرة والهيدروجين وغيرها مما علمه إبليس، وحذقه أولاده. فعقول البشر وأيديهم، وأوقاتهم وآلاتهم ومصانعهم، كل أولئك في شغل بآلات الحرب، وتدبير خططها، واختيار مواطنها.
وهذه العقول والأيدي وما تصنع، إذا وقعت الواقعة، تدمر ما صنع البشر في الأوقات التي لا يشغلها الإعداد للحرب. فقوى الناس النفسية والجسمية متصادمة متقاتلة تصنع للحرب في جانب، وللعمران في جانب، ثم تسلط ما صنعته للحرب على ما صنعته من عمران فتدمره.
ولو أن الناس آمنوا واتقوا، وتحابوا وتآخوا، وعملوا جهد عقولهم وأيديهم، وجدهم ودأبهم، للسلم لا للحرب، والبناء لا للهدم، وللإحياء لا للقتل، ولأسو الجروح لا للجرح، لو أن هذا الشغل الشاغل، والجهد الجاهد، بالليل والنهار، والجهر والإسرار، قصدا إلى عمران الأرض، وإخراج زروعها وركازها، وإلى تشييد المدن وتعبيد الطرق وإلى التسلط على الطبيعة لتحصيل خيرها واتقاء شرها، وإلى إصلاح نفوس الناس وأجسامهم؛ لغلب الناس الشقاء والبؤس في هذا العالم أو كادوا.
ألا إن أصل البلاء ومطلع الشقاء التباغض والتنافر، وجعل العالم مصنعا للسلاح تعمل فيه الجماهير، ويدبره العلماء والساسة ليدمروا ما صنعوا حين يشاءون، فتراهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون.