ألا إننا في حاجة إلى تدريب ولداننا على الإقدام والجرأة على ما يحيط بهم في هذه الدنيا ، والسكون إليه، ففي هذا منفعة ولهو، وفيه الدعوة إلى تسخير الطبيعة وتذليلها واستخراج منافعها، والانتفاع بكل ماهو فيها.
أكتب هذا ونحن في بحر العرب.
الجمعة 22 محرم/3 نوفمبر
في بحر العرب والمحيط الهندي
سرنا منذ الأمس في بحر العرب، فرأينا سمكا يثب ورأى بعض المسافرين دلفينا ورأينا قروشا وسمكا طيارا وحيتانا وثعابين.
قلت: أكثر ما روى السائحون من عجائب، وما لفقه القصاصون من غرائب، كان موطنه هذا البحر؛ بحر العرب، والمحيط الهندي الذي يتصل بهذا البحر.
كان العرب يبحرون من سواحل الجزيرة العربية أو البصرة - وكانت تسمى ثغر الهند - إلى سواحل السند والهند فيرون من أهوال البحر وعجائبه ما يقصون على مواطنيهم حين يعودون، ويتزيدون ويغلون؛ إكبارا لأسفارهم وتهويلا لأخطارهم - كما قص جند الإسكندر المقدوني حينما رجعوا من غزوات إيران والهند.
والسندباد معناه بالفارسية «ريح السند» فهذه قصة موصولة بأسفار السند وما بعدها.
وفي هذا البحر؛ بحر العرب، صارت جيوش العرب أيام بني أمية لفتح السند، سارت جيوش في البر وأخرى في البحر، ونزلت الجيوش المبحرة قريبا من كراچي التي نؤمها اليوم على هذه السفينة، ويلتمس الباحثون اليوم آثار الديبل أول المدن التي فتحها العرب في السند، على مقربة من كراچي صوب المشرق.
والعرب القدماء الذين باسمهم سمي هذا البحر، انتشروا في جزره وسواحله وجاوزوه إلى شواطئ أفريقية وإلى جزر الملايو وأبعد منها، فتاجروا ونشروا الإسلام وقربوا بين الأمم والأوطان.
السبت 23 محرم/4 نوفمبر
القسوة والجهالة
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة .
القسوة والجهل من معدن واحد، يصطحبان ويتعاونان. الطفل على ضعف جسمه ونفسه تشتد قسوته أحيانا على ضعاف الحيوان؛ بما جهل أثر فعله، وغفل عن سوء عمله. والجاهل من الرجال والنساء أقسى قلبا ويدا ممن أوتي نصيبا من العلم وحظا من المعرفة. المعرفة توقظ النفس من رقدتها، وتنبهها من غفلتها، فتشعر بما في أفعالها من حسن وقبح وقسوة ورحمة، ولا سيما المعرفة التي تتصل بالنفس تقويما وتأديبا وتهذيبا وترقيقا، فيختلف الناس في هذا اختلاف درجاتهم في المعرفة، وأثر المعارف في نفوسهم.
واعتبر هذا بالبهيمة في يد فلاح جاهل، انظر كيف يقسو عليها ويحملها ما لا تطيق، فإن عجزت لم يألها ضربا وتعذيبا لتقدر! وليست القدرة بملكها، ولا القوة بإراداتها. ولا يشفق هذا القاسي على البهيمة إلا بمقدار ما يقومها بمال فيخاف أن يخسر هذا المال بعجزها أو نفوقها.
رأيت في إسطنبول رجالا اجتمعوا حول حمار واقع لينهضوه فأشعلوا ورقا وقربوه من بطنه لينهض. وقصصت ما رأيت على عالم ألماني هناك، فعجب كيف رضي الناس هذا ولم تأخذ السابلة على أيدي المجرمين! وقال: إننا في بلادنا لا نبيح لإنسان أن يحمل دجاجة آخذا برجليها منكسا رأسها، ينهره ويمنعه أول من يلقاه على الطريق.
قلت: لستم أرحم من هؤلاء طبعا، ولا أشفق منهم سجية، ولكنه فرق العلم والجهل، والخشونة والصقل.
الأحد 24 محرم/5 نوفمبر
مد التاريخ وجزره
بلغت اليوم مدينة كراچي على ساحل السند، فازدحمت في فكري حوادث الدهر وذكر التاريخ. ذكرت العرب المسلمين في دولة بني أمية يطوون الأرض شرقا وغربا، ويركبون المفاوز والبحار إلى أقصى الأقطار، فيأتون إلى السند ويفتحون وينشرون ألويتهم ودينهم في السند وبلاد وراءها في الهند. وتبقى هذه الأصقاع في سلطان الخلفاء الأمويين والعباسيين مائتي سنة، ثم يحسر عليها سلطان الخلفاء.
وامتد فكري إلى ما قبل الإسلام فذكرت دارا ملك الفرس يغزو الهند، وتذكرت إسكندر المقدوني يمتد به الفتح من مقدونية إلى هذه الأقاليم. ثم رجعت إلى تاريخ المسلمين أرى السلطان محمود الغزنوي يغزو الهند اثنتي عشرة مرة، فيفتح أقاليمها الشمالية والغربية. وذكرت ملوك الغور ومن خلفهم من الذين زحزحوا خلفاء محمود إلى الهند ثم لحقوهم فيها، وفكرت في الدول الإسلامية الصغيرة التي انتشرت في أرجاء الهند.