وكنت يسرت هذا الأمر بوضع واو الحال قبل التعبير عن الوقت، فيقال: والساعة تسع، أو تسع وربع، أو تسع إلا ربعا، وهكذا على اختلاف الأعداد.
وسرت على هذا الأمر وسار بعض الناس، ثم وجدت هذه الواو لا محل لها حين يكون التعبير عن الوقت بالإضافة مثل: أقابلك بعد الساعة تسع، أو قبل الساعة تسع، فاهتديت إلى عبارة تفي بكل الحالات فيمكن استعمالها في الأحوال كلها أو استعمالها مع الإضافة واستعمال الواو فيما عداها.
تلكم إضافة كلمة ساعة إلى العدد فتقول: أقابلك بعد ساعة تسع وربع أو أقابلك ساعة تسع وربع أو ساعة تسع وخمس وثلاثين، على معنى أن كل ساعة منسوبة إلى العدد الذي يليها.
فلعل الاستعمال يطرد على هذا النسق فنستريح من مشاكل الساعة.
السبت 9 محرم/21 أكتوبر
وا رحمتاه للنساء في هذا العصر!
المرأة جمال الخليقة، ونور الإنسانية، وملاك الشفقة، ومعدن الرحمة، وينبوع السعادة. هذه الحاملة الواضعة، الوالدة المرضعة، الساهرة الحانية، المربية العانية، المنشئة للأمة أولادها، المانحة لها أكبادها، البيت من يدها روض زاهر، ومعبد عامر، وجنة ونعيم، وسلام مقيم.
هل الأمة إلا من الأم، وهل غيرها يستطيع أن يؤم؟
7
إنها سر الحياة، ودليل النجاة، إن عرفت قدرها، ولم تخدع عن مكانتها.
إني لأرثي للمرأة حين أجدها عاملة في المصانع، صافقة في الأسواق، وأقول: إن هذا في نظام الأمم خلل، وفي كيانها علة من العلل.
وأرثي للمرأة حين تهجر دارها، وتهمل صغارها، وتقضي النهار سائمة وشطرا من الليل هائمة، وأقول: كيف يرجى للعش صلاح؟ ومن يبسط على الفراخ الجناح؟
وأرثي للمرأة حين أجدها في هم دائب، ونصب ناصب، بالصبغ والطلاء، صباح مساء، تعرض زينتها في الطريق، وتنافس بجمالها في السوق، وأقول: ضياع المال والوقت والراحة، والوقار والسعادة والصباحة.
وأرثي للمرأة وأغضب لها وأغار عليها وأحزن من أجلها حين أراها متعة المجامع وألهية الملاهي، وسلعة التاجر، وفريسة الفاجر. فهذه الملاهي الحاشدة بالليل والنهار والمعارض الصاخبة على أسياف التجار، وتجارة الرقيق في كل طريق، هذه المرأة المسكينة صيدها وسلعتها، وفريستها ومتعتها، تخدع عن نفسها حينا فتضحك، وتعرف أمرها حينا فتبكي، وهي بين الضحك والبكاء مفتونة مغلوبة، مخدوعة مسلوبة، لا تجد في السوق الصاخبة والفتنة الغاصبة وقتا لتفكير ولا نهزة لتدبير، والناس يعجبون ويضحكون ولا يبكون. إني والله لأرثي للنساء وحق لهن الرثاء.
الأحد 10 محرم/22 أكتوبر
قياس الزمان
يقيس الإنسان زمانه بالسنين والشهور، وبالأيام والساعات فيرى الزمان سريع المر شديد الجري، لا يكاد يجاريه حسابا وعدا. وهو في غم وكآبة من إسراع هذا الزمان وعدوه، وفي هم من نفسه بما يرى مر الزمان نقصا في عمره، ومضيا في حياته، واقترابا إلى أجله، كما قال طرفة:
أرى العمر كنزا ناقصا كل ليلة
وما تنقص الأيام والدهر ينفد
وكما روي أن الحجاج أنشأ أو تمثل بهذا البيت حين بلغ الخمسين:
وإن امرأ قد سار خمسين حجة
إلى منهل، من ورده لقريب
وكم قال الشعراء في مضي الزمان، وسرعة الدوران؛ دوران الفلك والأعوام.
ذلك لمن وعى الزمان كنهر جار، أو قطار مسرع، يسيران إلى غاية قريبة أو بعيدة، والناس سائرون بسيرهما منتهون إلى غايتهما؛ ولكن من استطاع ثباتا في التيار وانحيازا إلى الشاطئ، واستقل بفكره وعمله، ولم يعد نفسه عودا في نهر يجري به غير مختار، فهذا الإنسان هو الزمان. وحساب الزمان بفكره وعمله هو لا يعد ساعات وأياما ولكن أفكارا وأعمالا، وهو لا يحسب سنين متوالية، ولكن آراء وأفعالا تؤرخ بها العصور ولا تحد هي بالعصور؛ إذ كانت أعماله قوانين يتبعها، وسننا يسير عليها، لا نزعات وقت وأهواء ساعة.
إن من ساير التيار واستسلم للزمن فإنما ينسج على نفسه شبكة الليل والنهار، فهو منها في إسار، ومن اعتد بنفسه واستقل بقوله وفعله، فهو شبكة الأيام وقيودها ومسافاتها وحدودها.