تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك تظهر على الوجه بعض الظهور السجايا والطبائع، فربما يتبين على الوجه ما في السجايا من إباء وذلة، وعفة وشره، ورحمة وقسوة، وهكذا كل سجايا الخير والشر والطيب والخبيث.

وقد بدا لي اليوم وأنا أسير في طريق آهل بالسابلة، تلقى السالك فيه ضروب الوجوه، وأنواع السحن، أن في وجوه الناس وجوها يسوغ أن نسميها وجوها معبرة كأنها تعبر عن معنى في نفسها، وكأنها تخاطب الناظر إليها. فترى وجها كأنه في دهشة مستمرة وحيرة دائمة، وكأنه يتأمل في العالم ويتحرى أمرا أذهله عما سواه. وترى وجها لا يعبر عن دهش ولكن في تقاسيمه ضربا من السؤال والاستفهام. وآخر كأنه مشفق على الناس أو مشفق منهم، فهو ساهم أو واجم. وأحيانا ترى وجها يخيل إليك أنه حزين، ووجها كأنه فرح ووجها تحسبه ساخرا وآخر تظنه ساخطا.

ووجوه لا تعبر عن شيء كالإنسان الذي يكتم سره ويخفي فرحه وترحه، فلا يعرف مخالطه ما يكتم في نفسه؛ ولكنها وجوه فيها وقار تعرف فيه الهيبة ولا تجرؤ على التطلع إلى ما وراءها.

ووجوه كأنها تماثيل لا تعبر عن معنى ولا توحي هيبة، ولا تعلم أنها حية إلا بالحركة.

الإثنين 7 ذي القعدة/21 أغسطس

قواعد السعادة

الناس يفقدون السعادة في طلبها، ويطرحونها ليطلبوها، ويتجاوزونها ليبلغوها، فهم كما قيل: من خوف الفقر في الفقر، ومن خوف الذل في الذل.

في الناس من تيسر له العافية فلا يعرفها، وتسبغ عليه النعمة فلا يشعر بها، ويبتغي العافية بترك العافية، ويسعى إلى النعمة بالغفلة عن النعمة. هذا الجامع المال يلهث في جمعه ليل نهار، ويحرم نفسه القوت بالادخار، ماذا وراء جمعه وادخاره، والكدح في ليله ونهاره؟ يطلب المال وهو في يديه، ويحرم النعمة وهي حواليه! وهذا الذي يطلب المنصب بالركوع، ويبتغي الجاه بالخنوع، ما غناء منصبه وجاهه وقد أضاع في طلبهما ما يبتغي بهما؟ «إذا أصبح المرء آمنا في سربه، معافى في بدنه، واجدا قوت يومه، فعلى الدنيا العفاء.» صدق رسول الله، أعظم النعم الأمن، وأفظع المكاره الخوف. فمن أمن فقد ظفر بأولى النعم، ومن حاز عافية البدن إلى الأمن؛ فقد أسبغت عليه النعماء، وزال عنه أوكد أسباب الشقاء، ولم يبق إلا أن يجد القوت يحفظ به البدن المعافى فينعم في ظلال الأمن.

ما عدا هذه الثلاث من متاع الدنيا نوافل، إن حصلها الإنسان فبها، وإلا فأحرى بالعاقل ألا يأسى عليها.

الثلاثاء 8 ذي القعدة/22 أغسطس

صفحات الأيام

قرأت هذا البيت في الشعر الفارسي:

ما ز آغاز وز انجام جهان بى خيريم

أول وآخر أين كهنه كتاب افتادست «لا ندري ما أول الدنيا ومنتهاها، قد سقط أول هذا الكتاب العتيق وآخره.»

ومعنى هذا أنا نقلب صفحات الأيام، أو تقلب الأيام لنا صفحاتها، ولا ندري الفصول الأولى التي سبقت هذه الصفحات ولا نعلم ما الفصول التي تزاد بعدنا في هذا الكتاب. جال فكري في هذا المعنى الرائع طويلا، ثم قلت: وما يضرنا ألا نعلم ما أول الكتاب وما آخره؟! إن علينا أن نحسن الكتابة في صفحات الزمان، ونحسن قراءة هذه الصفحات؛ نحسن كتابة ما نكتبه نحن، ونحسن قراءة ما تكتبه حادثات الدهر أو يكتبه غيرنا من الماضين والمعاصرين، فإن أحسنا فما ينقص من إحساننا أنا لم نقرأ الفصول الأولى ولن نقرأ الفصول الأخيرة. إن علينا أن نحسن ابتكارا وإنشاء، فإن لم نقدر فلنحسن النسخ ولنجد الخط فإن هذا ضرب من الإحسان كذلك، ومن المشاركة في هذا الكتاب.

علينا أن نحسن القراءة، ونفقه ما نقرأ، وننتفع بما نفقه، وليس علينا بعد أن يفوتنا علم ما مضى وألا ندرك ما بقي.

من قصر في الكتابة والقراءة وقعد عن الإحسان فلبث يرثي لنفسه وللناس؛ لأن هذا الكتاب القديم سقط أوله وآخره، فلا يلومن إلا نفسه حين يتبين أن هذا الكتاب قد ضاع كله؛ أوله وآخره ووسطه، حجب الزمان عنه الطرفين، وحجب هو عن نفسه الوسط.

الشوارد · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٤٩