تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثلاثاء 1 ذي القعدة/15 أغسطس

حفلة باكستان

احتفلت باكستان بعيد استقلالها، وشاركت مصر في الاحتفال بهذا العيد، وجمع الاحتفال جماعة من المصريين والباكستانيين في دار الشبان بالقاهرة. وتكلم متكلمون عن باكستان ومكانتها بين الأقطار الإسلامية، وما يرجوه المسلمون لها وما يؤملون فيها، ونحو هذا مما يقال في مثل هذا الجمع.

وشهدت هذا الجمع وتكلمت، وذكرت القادة الذين جاهدوا حتى قامت دولة إسلامية اسمها باكستان، فذكرت الشاعر الفيلسوف محمد إقبال. حق أن الباكستان قامت على الإسلام؛ إذ عزم المسلمون في الهند على أن يكون لهم سلطان حيث يكثرون الهنادك. ولكن هذه الدعوة بدأت غريبة مستغربة محجمة مترددة، وكان أول من صدع بها غير متردد ولا متلجلج محمد إقبال حين رأس اجتماع الرابطة السنوي وخطب في بمباي سنة 1930م. ولم تكن دعوة إقبال فكرة سياسي أوحتها إليه الأحوال، وساقتها إليه الحادثات، ولكنها نتاج فلسفته ورأيه في الإسلام ومقاصده العالية، ومذهبه في الذات الإنسانية والإنسان المؤمن أو الرجل الحر. فلسفة إقبال ترى أن المؤمن لا يحبسه الواقع، ولا يقيده المحسوس، بل يستوي في عزائمه الغائب والمشهود، والكائن وما لم يكن، مستقبله حاضر، وأمله واقع.

ليس دون الكفر إن لم

يك كفرا ذا البلاء!

أن يرى بالحاضر المش

هود للحر سباء

رأى إقبال باكستان حقيقة قريبة، فكأنه رآها قائمة، ولا تزال دعائم هذه الدولة في فلسفة إقبال أو في الإسلام كما فسره إقبال.

الأربعاء 2 ذي القعدة/16 أغسطس

تقدير الأشياء

يختلف تقدير الناس الأشياء وتقويمها اختلافا بينا، ولعل اختلافهم - على كثرة وجوهه - يرد في جملته إلى تقدير الظاهر والباطن أو الصور والحقائق. فأهل الظاهر يرون الصور والأشكال والأحجام، فما كان أكبر وأبلغ في اللون وأبين في الشكل كان أقرب إلى إكبارهم وإعجابهم. وكذلك شأنهم في تقدير الأعمال؛ أقواها وأكثرها جلبة أجدرها بإعجابهم. الضرب والقتل والهدم والشنق مثلا من مظاهر القوة الجسمية، يستأثر بهم أكثر من دقائق الأعمال وقوى الأنفس كالصبر والحلم والأناة والدأب. وكذلك تقديرهم الكلام؛ الشعر الأبين حركة في وزنه، والأشد جلبة في لفظه، والأكثر غلوا في معناه، والأجمع للمحسنات اللفظية أدنى إلى أنفسهم، وأظفر باستحسانهم. وقل على هذا القياس في الموسيقى والغناء، بل معجزات الأنبياء ما كان منها تفجيرا للماء من الحجر أو ابتلاع حية عصيا وحبالا أبين في فهمهم من معجزات تتجلى في إدراك أسرار العالم وسنن الأمم، وإصلاح النفوس، وتقويم الجماعات.

وأهل الحقائق لهم أقيسة أخرى وموازين غير هذه، فالتلوين الخافت المناسب، والعمل النفسي الخفي، والمعنى الشعري الدقيق، واللفظ السلس في غير ضوضاء، وآية من القرآن فيها نظر إلى العالم بعيد، أو كشف عن سنن بين ... وهلم جرا، كل أولئك أحرى بالإعجاب والتقدير عندهم. وهم كذلك في إعجابهم أقرب إلى الهدوء والسكون، على حين يصفق أهل الظاهر لما يعجبون به ويصيحون.

الخميس 3 ذي القعدة/17 أغسطس

وذروا ظاهر الإثم وباطنه

نقرأ هذه الآية ونقرأ آية:

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن

وآيات أخرى تشبهها، فما ظاهر الإثم وباطنه، وما الفواحش الظاهرة والفواحش الباطنة؟

أيراد بالظاهر والباطن ما أعلن به الناس وما أسروه؟ ما اقترفوه جهرة، وما ارتكبوه في خلواتهم؟ ما انتهكوا به الحرمات علانية، وما انتهكوا به الحرمات خفية؟

أم الظاهر والباطن؛ هذه المنكرات البينة التي بان للناس قبحها وشناعتها واجتمعوا على إنكارها، والمنكرات الأخرى التي تختلف فيها الظنون ويتفاوت فيها الإدراك، يحسبها بعض الناس صغيرة وهي كبيرة، ويستهين بها بعضهم وهي غير هينة، كما قال القرآن:

وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، كالسكوت عن منكر، والإغضاء عن باطل، والقعود عن نصرة ضعيف ونجدة مظلوم وغير هذه مما يخل بنظام الجماعة، ولا يتمثل منكرا مجسما ظاهرا ولا تحده القوانين ... وهلم جرا؟

الشوارد · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٤٧