سأعتمر في غير ليلة القدر وأوثر بها إخواني الحراص عليها فلا أزحمهم فيها، ولعل في هذا الإيثار ما يربو على ثواب الاعتمار، كل معتمر فيها يزحم إخوانه لنفسه، وأنا أحرم نفسي لإخواني، سأبعد بنفسي عن المزدحم فلا أزاحم أحدا ولا أوذي أحدا.
وذهبت إلى مكة فاعتمرت ليلة السادس والعشرين، قيل: فلتعد إلى مكة ليلة السابع والعشرين؛ إنها ليلة القدر ومثلك يعرف فضائلها.
قلت: إننا لا ندري متى ليلة القدر، أهي في السنة كلها أم في رمضان كله أم في ثلثه الأخير، أهي في الوتر من الثلث الأخير أم في ليلة السابع والعشرين خاصة؟ وما أحسب الرسول أراد بإخفائها إلا أن يلتمس كل إنسان ليلة قدره.
إن ليلة القدر ليلة ترقى نفسك، ويصفو ذهنك ويطهر قلبك، وتتجه إلى الخير نيتك وتستعد للفيض الإلهي. هذه ليلة القدر لك، لا ما حسب الحاسبون وقدر المقدرون. التمس ليلة القدر في نفسك، إن الله سبحانه قادر أن يجعلك في ليلة قدر دائمة، أن يجعل لياليك كلها ليالي قدر. رحم الله حافظا الشيرازي يقول:
براءة ليلة القدر استلمنا
ووافى الليلة الحظ السعيد
برات ليلة القدر بدستم
زبخت خويش بر خوردارم امسب
الأربعاء 27 رمضان/12 يوليو
الحرم
لا بقعة على وجه الأرض أكرم على المسلمين وأولى بعنايتهم من المسجد الحرام؛ فهو لا ريب مرآة أحوال المسلمين، ومقياس حضارتهم. فإن كان فيه سعة وعظم وجمال ونظام، فللمسلمين نصيب من هذه المعاني، وإن كان في ساحته ضيق، وفي بنائه نقص، وفي جماله خلل، وفي نظامه اضطراب، فلا يبرأ المسلمون من هذه النقائص.
إن المسجد يضيق بقصاده، وليس فيه من فخامة البناء وجمال الهندسة ما هو أهل له. والناس ينامون فيه ليل نهار فيضيقون من ساحته ويغضون من كرامته. والمساكن مطلة عليه متزاحمة حوله، بل تأخذ من أبنيته. وكثير من أبوابه يفضي إلى أزقة ضيقة، ومسالك مظلمة.
والناس يذهبون إلى مكة فيرون فيشكون ويتفرق الحجيج فيسكتون.
لا بد أن يسارع إلى توسيع الحرم حتى يسع من يؤمه من الحجيج ولو اجمتعوا فيه كلهم، ولا بد لهذه التوسعة من زحزحة هذه الدور المطلة عليه، ولا بد من إحاطته بشوارع فسيحة. ولا بد من إغناء الحجاج عن النوم فيه بأماكن أخرى، ثم لا بد - حين تتيسر هذه الأماكن - أن يؤخذ الناس بالشدة فلا يرى فيه إلا مصل أو طائف أو قارئ أو ذاكر.
وهذا كله لا يتسنى إلا بجماعة من المسلمين يوكل إليها الإشراف على الحرمين، وتوفر لها الحكومات الإسلامية الأموال فتعمل على مر الزمان لحفظ الحرم وتجميله، وتبني الدور والمستشفيات والمدارس وتمهد الطرق، وتمد الحرمين بالماء والكهرباء، وتجعل مكة والمدينة كما يجدر بهما، وكالبلاد المقدسة عند سائر الأمم.
ليت شعري! متى تتحقق هذه الآمال فيمحى عن المسلمين هذا العار؟
الخميس 28 رمضان/13 يوليو
العقل والعشق
يكثر كلام الصوفية في العقل والعشق، الأول عندهم ضعيف جبان تشغله الصغائر والجزئيات، والثاني قوي مقدام يهجم على الحقائق الكبرى والكليات.
صور الصوفية هذا في صور مختلفة، وأبانوا عنه بعبارات شتى، من الشعراء الكبار: سنافي والعطار وجلال الدين الرومي، إلى شاعرنا العظيم: محمد إقبال.
ولا أريد أن أحد العقل والعشق كما يؤخذ من أقوالهم، ولكني أذكر كلمات متفرقات تميز بينهما وتهدي القارئ سبيلهما.
العقل يرى أن من الخطل أن يموت الإنسان في سبيل شيء، فكل ما على الأرض يقوم عند الإنسان بمنفعة، فمن التناقض أن يقتل نفسه في طلب شيء فيفوت كل شيء! فما الذي يهجم بالإنسان على الموت غير هياب؛ دفعا عن عقيدته أو حريته أو كرامته؟
والعقل يقبل أن يترك الإنسان الكدح إن وجد طعاما هنيئا ورزقا ميسورا عند أمير أو كبير، يسير وراءه ويأتمر بأمره فيجد راحة جسمه ونفسه. فما الذي يربأ ببعض الناس عن الاتباع، ويجعلهم يؤثرون الخبز القفار أو الجوع على مذلة الخضوع والائتمار؟