ثم سمعت خبرا آخر ذكرني بقتل الإنسان أخاه بغيا وعدوا بالحرب المتمادية والتقتيل والتدمير في المشارق والمغارب، وذكرني اغتصاب الناس وتشريدهم. وذكرت الصواعق التي يصبها الإنسان من جو السماء على الناس في دورهم لا يفرق بين قوي وضعيف، وكبير وصغير. ترسل القنبلة على الأسر في دورها فتقتلهم جميعا أو تقتل الطفل وتدع أمه أو تودي بالأبوين وتدع الأطفال. ذكرت هذه وأمثالها فقلت ملء قلبي وفمي: ما أقسى الإنسان، ما أقسى الإنسان!
الثلاثاء 5 رمضان/20 يونيو
غرور الإنسان
إن سألت إنسانا: ماذا في جيبي؟ أو ماذا في هذه الحجرة؟ وهو لم يدخلها، أجاب متعجبا: وما علمي بما في جيبك، وما أعلمني بما في حجرة لم أدخلها؟! ولكن هذا الإنسان الذي يعجب أن يسأل عما لم يره، لا يتحرز من إرسال وهمه في أطباق العالم ليثبت أو ينفي بغير علم، فهو يتكلم في مبدأ العالم ومنتهاه، وعما في النجوم وعما وراءها تكلما لا يهدي إليه تفكير، ولا يزنه تثبت. لا حرج أن ينظر الناظر فيرتب مقدمات تؤدي إلى نتائج على أن يصف مقدماته ونتائجه بوصفها من العلم أو الظن أو الشك، ثم يقف عندها لا يتعداها بغير بينة. ولكن كثيرا من الناس يتكلم في المحجوبات من حقائق هذا العالم كلام العالم الثبت، وهو لم يعلم ولم يتثبت ولم يحاول العلم والتثبت.
وقد طوع للإنسان غروره أن يحسب أنه وحده في هذا العالم عاقل عالم مفكر، وليس في العالم؛ أرضه وسمواته شيء غيره يعقل، ليس في العالم؛ أرضه وسمواته مخلوق له عقل وعلم وفكر، ولا خالق يعلم ويدبر أمر هذا العالم اليتيم المهمل. هذا الكائن الضئيل الضعيف ينكر كل الإنكار ويأبى كل الإباء أن يكون في أعمال الناس وفيما يقع على الأرض، بل ما يكون في غير الأرض شيء إلا له سبب، لا يقبل أن دينارا مثلا قد سوي منقوشا بغير صانع. ولكن هذا الكائن الضئيل الضعيف الذي حرم العالم كله العقل والفكر إلا نفسه، يقبل أن يكون العالم كله بغير عقل، وسيره بغير سبب وبغير تدبير وتصريف، أليس هذا جهلا؟ أليس هذا غرورا وحمقا؟
الأربعاء 6 رمضان/21 يونيو
رمضان في الحجاز
لا تعمل دواوين الحكومة السعودية في رمضان، بل تعمل بعد صلاة العشاء وينصرف الناس منها إلى دورهم ليتسحروا، ويستريحوا غير مضطرين إلى التبكير للعمل. وهذا عمل مستحسن أيام الحر والصيام، وعسى أن يعمل الموظف في ساعتين من الليل أكثر مما يعمل في خمس من النهار. وكذلك الأسواق أكثر عملها بالليل؛ تجدها مضاءة مزدحمة بالناس، فيها رواد وعليها بهجة وسرور.
والناس يتزاورون بالليل بعد صلاة التراويح، ولكن ليس لهم من عناية بالسهر والاستماع إلى القرآن في الدور الكبيرة ما لأهل مصر.
ويميز رمضان في هذا البلاد احتشاد المصلين والطائفين في المسجد الحرام، وإفطار الناس في المسجد على ماء زمزم وقليل من التمر قبل الصلاة.
وكذلك يحتفل أهل المدينة بالاجتماع في الحرم النبوي والإفطار فيه، وشهود الصلاة في أحد الحرمين رجاء كل صائم من أهل مكة والمدينة وما حولهما؛ وإنه لأنس للنفس وخشوع للقلب. وما أروع صلاة التراويح في الحرم، إن فيها لمرائي ومعاني تدركها القلوب والأبصار.
وأما الصيام في جدة، على حرها ورطوبتها، فييسره قلة العطش لرطوبة الجو، ويروح عن الناس أن تهب الشمال هناك، وما أكثر ما تهب الشمال!
وأما الصوم في مكة فشاق لشدة الحر وجفاف الهواء، وكم يقاسي الصائمون فيها من العطش، وفي المدينة أيام على الصائمين شديدة.
ولكن في مكة والمدينة من مظاهر الفرح والبهجة في رمضان، وفيهما من الجمال والروعة ما يهون مشقة الصيام.
الخميس 7 رمضان/22 يونيو
الأمل والعمل
قطبا المعايش عليهما تدور، وجناحا الإنسان بهما يطير، وعيناه بهما يسير، ومجدافا الحياة بهما تقدم، وقدماها بهما تتقدم.