تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليتق الله كل امرئ في نفسه وأمته، وليجعل همه الدعوة إلى الخير بادئا بنفسه، وليكن ديدنه صباح مساء أداء الواجب، وتوطين النفس وحملها عليه، وسياستها باللين والشدة حتى تسلس وتنطلق في طريق الخير صالحة مصلحة.

يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم .

الأحد 18 شعبان/4 يونيو

مرض أيام

لزمت الفراش أياما، فانقطعت عن العمل، فلم يكن أساي لمرضي مثل أساي لبطالتي، كأن المرض أقل ألما وأخف ضررا من التبطل. وكثيرا ما تصيبني وعكة لا تمنع القراءة والكتابة في الفراش، فأراها فرصة أعمل فيها ما أريد لوقتي، وأقضي فيها بعض ما فات من عملي، فلا أذم المرض الذي أتاح الفرصة، بل أحمد الخلوة القهرية التي أجبرتني على الفراغ، وأجبرت الناس أن يخلوا بيني وبين نفسي.

قلت إذ فكرت في هذا وما إليه: إن كانت البطالة شرا من المرض، أو شرا من بعض المرض، من هذه العلل الخفيفة التي لا تبرح بالمريض آلامها ولا تغلبه على نفسه سورتها، فكم في الناس مريض يحسب نفسه صحيحا! وكم مرت أوقات كنت فيها مريضا لا أذكر وفاتني فيها ما يفوت المريض بعضه، ولم أعرف الخسارة.

إن المرض سقم الجسم، والبطالة سقم الروح، وهو يؤدي لا محالة إلى سقم الجسم.

وتراكمت أعمال وتكدست أوراق، وتعطلت رسائل في هذه الأيام؛ أيام المرض القليلة، وفكرت في هذا وقلت: وا عجبا! نسابق الزمان شاعرين أو غير شاعرين ونغالب الأعمال في كل حين، فإن وقفنا قليلا أو بطأنا سبق الزمان فخلفنا وراءه ، وتراكمت الأعمال التي نؤديها في أوقاتها فلا نبصر كثرتها، ونسوق بعضها إثر بعض فلا نرى تزاحمها.

إن الإنسان في عمل دائم وجهاد مستمر، وسير لا ينقطع. السعيد من أعين على العمل بالعقل والجد، ويسر له الجهاد والمسير بالعافية؛ عافية النفس والبدن، والعافية من الحادثات. والله المستعان.

الإثنين 19 شعبان/5 يونيو

صحبة الحيوان

يستطيع الإنسان بإحسانه وإيناسه أن يستأنس الحيوان ويؤلفه ويصاحبه ويواده، ويدرك في هذه الصحبة معاني الأنس والصداقة والوفاء.

وكم قرأنا عن صحبة العربي فرسه، وإيثاره بالقوت، ومخاطبته في السراء والضراء! وقرأنا عن مواساة البدوي ناقته وتحدثه إليها بهمومه في أسفاره، ووصف حنينه وحنينها وصبره وصبرها، والشعر في هذا كثير.

وقد سمعنا عن فرس صام وحزن على فارسه حتى لحق به، وعن كلب لزم قبر صاحبه أو مكانه في داره حتى نفق.

جاءت إلى الحجاز بعثة مكافحة الجراد المصرية فضربت خيامها في الصحراء شمالي جدة، وكنت أتردد على هذا المخيم وآنس به وبصحبة إخوان كرام فيه، وأدعو الأصدقاء إليه، فرأيته على كثرة من يغشاه يعوزه كلاب تجول فيه وتصاحب أصحابه نهارا، وتنبح الطراق ليلا، وثلة من الضأن والمعز يكون لها حول المضارب ثغاء ويعار. وما زلت حتى التمس أعضاء البعثة الكلاب من كل جانب فأتوا بثلاثة، وغشيت المخيم كلبة فوجدت عيشا آمنا فأقامت بغير دعوة، وولدت. وجاءت عنز وثلاثة خراف.

قلت: الآن صار المخيم جديرا باسمه، وأنسنا بمرأى الحيوان في لعبه ومرحه وقربه وبعده.

وضربت الأيام ضرباتها فإذا البعثة تتهيأ للرحيل. فأما الغنم فمنها ما جزوه سوءا فذبحوه، ومنها ما وهبوه. وأما الكلاب فأشفقت أن تترك هناك فاجتهدت في إيداعها عند من يصونها، ففرقتها على من أعرفهم، على رجاء أن تعود إلى البعثة حينما تعود.

وقوضت الخيام وأقفر الموطن وفي النفس ما فيها من ذكر الأصحاب، وفيها كذلك ذكرى الحيوان وأنسه بالإنسان.

الثلاثاء 20 شعبان/6 يونيو

الكتب وأصحابها

بين الكتب وأصحابها معرفة وأنس وود، هو يعرف قدرها ومكانها من العلم ومن تاريخ العلم، وموضعها من خزانة كتبه، ويعرف متى اشترى الكتاب وأين اشتراه وكم قرأ فيه واستفاد منه، والكتاب يعرف يد صاحبه فيه، وعينه عليه، وتقليبه صفحاته وقراءته سطوره، وتعليقه في حواشيه، ويعرف له رعايته وصيانته.

الشوارد · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٢٠