تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو يستحي من نفسه أكثر مما يستحي من غيره؛ أنفة من الصغائر، وعشقا للعظائم. ورحم الله شاعر العرب أبا الطيب يقول:

وترى الأبوة والمروءة والفتو

ة في كل مليحة ضراتها

هن الثلاث المانعاتي لذتي

في خلوتي لا الخوف من تبعاتها

الكريم لا يبالي بسلطان القانون ولا سطوة السلطان ولا حكم الجماعة؛ لأنه في غنى عن هؤلاء جميعا بسلطان من قلبه لا يغفل ولا يضعف، وسطوة من وجدانه لا تلين، ولوم من نفسه لا ينقطع. كذلك نريد الناس أحرارا إلا من سلطان الوجدان، كراما يستحيون من أنفسهم قبل أن يستحيوا من الناس.

لا ترجع الناس من غيها

ما لم يكن منها لها زاجر

الثلاثاء 13 شعبان/30 مايو

طلبة العلم

قرأت البارحة في إحدى جرائد مصر أن طالبا في كلية طب تعسرت عليه إجابة الأسئلة في امتحان شفاهي في التشريح، فعمد إلى مسدس في جيبه فأطلق منه رصاصة على الأساتذة - وكانوا ثلاثة؛ مصريا وإنكليزيين - فأصيب أستاذ إنكليزي في ذراعه، ولم يسعف الطالب مسدسه بعد الرصاصة الأولى، بل هجم على الأستاذ الثاني يضربه بالمسدس على رأسه، واستطاع الأستاذ المصري أن يمسك به ويستعين بأحد الموظفين على نزع المسدس من يده.

وقال الأستاذ المصاب: إن هذا الطالب كان قليلا ما يحضر محاضرات التشريح، وكان أحيانا يدخل إلى المحاضرة وفي فمه سيجارة أو شطيرة.

وقرأت أن طلبة في كلية التجارة نظروا في أسئلة الامتحان فصعبت عليهم الإجابة، فما زالوا يشكون ويضجون بين حين وحين، والأساتذة يعدونهم التخفيف وينصحون لهم حتى انتهى تذمرهم إلى الهياج وتحطيم الكراسي في قاعة الامتحان وزجاج النوافذ.

ستنتهي هاتان الحادثتان بعقاب المعتدين، ولن يبحث في أصل الداء ليهتدى إلى الدواء، لن تبحث الجامعة أو وزارة المعارف أو أساتذة علم النفس أو الاجتماع في مقدمات هذه النتائج المحزنة.

ابحثوا عن معيشة الطلبة وعكوفهم على الملاهي وضياع حرمة البيت والمدرسة في نفوسهم، وغلبة الهزل عليهم، وتهاونهم بالعلم وحرصهم على الورقة التي تؤدي إلى الوظيفة وطموحهم إلى الدرجات المالية والعلاوات. انظروا في هذا كله لتعرفوا الداء فتطبوا له، وإلا استمر هذا الخلل وهذه الفوضى، وإلا حصلت الأمة على أعداد لا أرواح فيها، وفرحت بجيوش من طلاب الوظائف الجهلة أعداء القانون والنظام.

الأربعاء 14 شعبان/31 مايو

مقاصدنا الثلاثة

العقل القويم، والخلق الكريم، والجسم السليم.

من لي بجيل لم يضعف أجسامه الترف، ولم يوهنها الكسل ولم ينهكها المرض، بل صحت أجسامه بالخشونة والعمل، والقصد في المطاعم والمشارب وسائر اللذات، والأخذ بأسباب الصحة كل حين؟

ومن لي بهذا الجيل الصحيح يؤتى نصيبا من العلم النافع يستضيء به العقل ويهتدي به سبل المعايش، يبغي العلم للمعرفة وللضرب في هذه الأرض، لا يبتغي شهادة ولا منصبا، ولا يحاول أن يجتاز الامتحان جاهلا، ولا يرضى أن ينال شهادة مزورة؟

ومن لي بهذا الجيل الصحيح العالم يملأ قلبه إيمان بالله، فيرفعه عن كل دنية، ويسمو به إلى المقاصد العلية، وتملأ نفسه المروءة والهمة، فيتنزه عن سفاسف الأمور ويطمح إلى جلائلها، ويملكه الإنصاف فلا يؤذي أحدا، يشهد بالحق على نفسه ويقر به لخصمه، وتستقر في قلبه الرحمة فهو مشفق على الضعفاء بر بالفقراء. ثم يزينه الأدب يوقر به والديه، ويعظم من هم أكبر سنا من قومه كأنهم آباء له أو إخوة كبار. ثم يجمله الحياء فهو عف اللسان واليد؟

من لي بواحد من هؤلاء في كل جماعة؟ إن الذي وصفت في الناس قليل ولكنه ليس بمستحيل. ليس مستحيلا أن توضع الخطط الصالحة للتربية القويمة لتنشئ هذا الجيل؛ جيلا صحت أبدانه وعقوله وأخلاقه.

الخميس 15 شعبان/1 يونيو

تولي الحكومات تعليم الناس

لو سألت واحدا ممن نشئوا في جماعتنا وألفوا سنتنا، ولم يفكروا في الأمم الغابرة، ولا عرفوا غير أمتنا من الأمم الحاضرة؛ لو سألته: ما ترى في أمة ليس بها وزارة معارف؟ لأجابك: أمة لا قدر للعلم فيها، ولا خطر للتعليم عندها، أمة أحاطت بها الجهالة وحرمتها السيرة الرشيدة والعمل النافع على هذه الأرض.

الشوارد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٨