السبت 19 رجب/6 مايو
إضراب عمال المصاعد في شيكاغو
أذيع أن عمال المصاعد في شيكاغو أضربوا عن عملهم؛ فعجز كثير من الناس عن مغادرة مساكنهم وتراكمت القمامة فيها.
وإن أضرب عمال الكهرباء تعطلت المصانع، وأظلمت دور، ووقفت مراكب، وعجز ناس عن طهو طعامهم. وإن تعطلت مضخات المياه أصاب الناس العطش ودنست الأجسام والثياب والأواني والدور. وإن سدت مجاري الفضلات أو اختلت آلاتها غرقت دور، وامتلأت سبل بالقاذورات.
وإن كفت الشرطة عن حراستها، أو أبطلت المحاكم في بلدة أكل القوي الضعيف، وعدا الفاجر على التقي، فهذا وأمثاله لا يحتاج إلى تعديد وتبيين هو من شروط المدنية وقيودها، ومن نتائج اصطناعها وتراكبها. والبداوة في غنى عن هذا وذاك، تقف بالعيشة عند الضرورات ولا ترتبط بمكان ولا تتوقف على صناعات وآلات؛ لهذا كانت حياة البدوي أيسر، وسلامته أقرب، وحريته أوسع، وكان الحضري كل حين عرضة لما ينغص عيشه، ويكدر صفوه، ويخل بشرط من آلاف الشروط التي يعيش فيها. ولكن الحضارة بلغت بالإنسان ما بلغ من العلم والصنعة والمتعة واللذة حين وفى بشرطها وأعد لها عدتها، فليسعد بها على علاتها وليستغن جهده عما يسعه الاستغناء عنه ويقارب الطبيعة ما استطاع حتى لا يصيبه الإعياء والملل، ويشقى كل حين فيها بخلل، وحتى لا تحبسه قيودها وتضيق به حدودها.
الأحد 20 رجب/7 مايو
مر الزمان
نشأت أرى حولي في قريتي شبانا وكهولا وشيوخا، ودارت السنون دورات فإذا الشيوخ قد وردوا المنية كلهم، وإذا الكهول يتهافتون على وردها، وإذا الشبان قد أخذوا مكان الكهول والشيوخ، وإذا نشء جديد لا أعرفهم صاروا رجال القرية.
وخرجت من مدرستي ثم نظرت بعد خمسة عشر عاما أو قريب منها فإذا أساتذتي قد تتابعوا إلى الموت إلا قليلا قليلا، وبعد عشرين عاما فكرت فإذا كثير من الأتراب هووا.
وجلت في أحياء من القاهرة غبت عنها سنين فإذا المعالم تغيرت، والطرق تنكرت؛ قامت دور وهدمت دور، ورحلت أسر وقدمت أسر، وامحى عرف ونشأ آخر.
هكذا دور الزمان، وبطش الحدثان، لا استقرار ولا دوام. وهكذا تقلب الدهر وتحول الأحوال، لا ثبات ولا بقاء.
فاستمسك ما استطعت بالمعاني الخالدة التي لا تتغير، والقوانين السائرة التي لا تتبدل، استمسك بالحق والعدل والخير والجمال، بل استمسك بالله الحق الذي لا يحول ولا يزول.
الإثنين 21 رجب/8 مايو
تاريخ الحوادث والناس
يقال: إن التاريخ لا يكتب إلا بعد مدة من وقوع الواقعات، وموت الرجال، حتى تخلص النفس من أثر الحادثات، وتنجو من العصبيات، وتستطيع أن تنظر إلى الأمور غير راضية ولا غاضبة، ولا فرحة ولا مبتئسة. تكتب عن الرجال بعيدة عن الحب والبغض، والمحاباة والظلم، بريئة من الأهواء التي تورثها المعاصرة، والمشاركة في المعيشة والمنافسة.
وهذا مقبول من هذه الوجهة، ولكنه مردود بما يضيع على غير المعاصر من دقائق الحوادث، ومن ألوان الواقعات، وما يفسرها من أحوال الزمان والمكان والناس وصلات بعضهم ببعض.
أحسب أن كتابة التاريخ المعاصر، مرهقة بكثرة حوادثها، ووفرة مصادرها على حين يكتفي مؤرخ العصور القديمة بكلمة ينسج عليها وهما، ودمية يلبسها خيالا. ويكتفي مؤرخ العصور التي بعدها بخبر يحمله ما لا يحمل، وخطبة أو قصيدة يستدل بها على أكثر مما تدل عليه، حين يخلص من رقابة الحقائق وشهادة الوقائع. ولا ريب أن تسجيل التاريخ قبل أن تبعد حوادثه، وتطمس معالمه، أوفى بالغرض وأقرب إلى الحق إن أراد الكاتب التاريخ محضا لا مدح جماعة أو آحاد، وذم فئة أو أفراد. وإن قيل: إن النفس المعاصرة لا تبرأ من الهوى، قلنا: إنها - على هذا - أقرب إلى التثبت وأقدر على التحقيق ممن يأتي بعد أجيال، ليستقصي الأقوال والأفعال.
الثلاثاء 22 رجب/9 مايو