ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء. فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دارع. ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد أو اثنان، وأما النصارى فيتعجبون ممن يزعم ذلك
5
ويقوله، واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين، ورأى ابن فرذلند في نومه كأنه راكب على فيل فضرب نقيرة طبل فهالته رؤياه وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، ودس يهوديا إلى من يعلم تأويلها من المسلمين فدل على عابر فقصها عليه ونسبها إلى نفسه فقال له العابر: كذبت ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني من صاحبها وإلا لم أعبرها لك. فقال له: اكتم ذلك؛ هو ألفونسو بن فرذلند. فقال العابر: قد علمت أنه رؤياه ولا ينبغي أن تكون لغيره، وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب؛ أما الفيل فقد قال الله تعالى:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ... السورة، وأما ضرب النقيرة فقد قال الله تعالى:
فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير ... الآية، فانصرف اليهودي إلى ابن فرذلند وجمجم له وذكر له ما وافق خاطره ولم يفسرها له.
ثم خرج ابن فرذلند ووقف على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، فتقدم يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض الأمر ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته وسار وهو يتفاءل لنفسه مكملا البيت المشهور (كامل):
لا بد من فرج قريب
يأتيك بالعجب العجيب
غزو عليك مبارك
سيعود بالفتح القريب
لله سعدك إنه
نكس على دين الصليب
لا بد من يوم يكون
أخا له يوم القليب
ووافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب من الأقوات والضيافات وبذل مجهوده؛ ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفا عليهم من مكايد ابن فرذلند؛ إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل: إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه أو لقضاء حاجته فيجد ابن عباد بنفسه مطيفا بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيل على أفواه طرق محلاتهم فلا يكاد الخارج منهم عن المحلة يخطئ إذ ذاك من لقاء ابن عباد؛ لكثرة تطوافه عليهم.
ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه، فامتلأ غيظا وعتا وطغا بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم ونشروا أناجيلهم وخرجوا يتبايعون على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار، وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة ورجع الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة فبعث لابن عباد يقول: غدا يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا؛ فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت، فعرف المعتمد بذلك يوسف فقال: نعم، فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند؛ إنما يريد غدر المسلمين فلا تطمئن إليه، وليكن الناس على استعداد له طول يوم الجمعة كل النهار. وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس بجميع المحلات خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي (وكان في محلة ابن عباد) فرحا مسرورا يقول: إنه رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غد، وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف فخبره بها؛ تحقيقا لما توقعه من غدر ابن فرذلند فحذروا أجمعين ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر.