ما ذكره عرام بن الأصبغ في كتابه المسمى «جبال تهامة والحجاز ومحالها»، قال لما مر على ذكر عكاظ: «وهو في أرض مستوية ليس بها جبال، وإذا كنت في عكاظ طلعت عليك الشمس على حرة سوداء، وبه عبيلات بيض تطيف بها العرب في جاهليتهم ينحرون عندها» انتهى. فإني رأيت الأرض المستوية التي ليس بها جبال بعيني، ورأيت الحرة السوداء، ورأيت العبيلات البيض وأنا في صحبة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز لما آب من قنصه، وما اشتبه علينا شيء منها. «الثالث»:
الذي عن الأصمعي في معجم البلدان، لما مر ياقوت على ذكر عكاظ، وكثر الروايات به فأصحها وأقربها للصواب قوله: قال الأصمعي: عكاظ نخل في واد، بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تقام سوق العرب بموضع منه يقال له الأثيدا، وبه كانت أيام الفجار، وكانت هناك صخور يطوفون بها ويحجون إليها. «الرابع»:
ما ذكره سعيد الأفغاني في كتابه المسمى أيام العرب، لما مر على أيام الفجار ذكر منها ثلاثة تسمى يوم العبلاء ويوم الحريرة ويوم شرب. واسمع عبارته حين قال على يوم العبلاء: عاد الأحياء المذكورون من هؤلاء وأولئك، فالتقوا من قابل في اليوم الثالث من أيام عكاظ بالعبلاء إلى جنب عكاظ، فاقتتلوا على التعبية التي تقدمت، فكان هذا اليوم لهوازن على قريش وكنانة، فأصيبت قريش وقتل أحد صناديدها العوام بن خويلد والد الزبير بن العوام، قتله مرة بن معتب الثقفي، وقال في ذلك شاعر من ثقيف يفتخر بقتله لما له من الخطر والشرف في قومه:
منا الذي ترك العوام منجدلا
ينتابه الطير لحما بين أحجار
وفي هذا يقول شاعر هذه الحروب من هوازن، وهو خداش بن زهير:
ألم يبلغهم أنا جدعنا
لدى العبلاء خندف بالقياد
ضربناهم ببطن عكاظ حتى
تولوا طالعين من النجاد
قال في هذه العبارة لما ذكر المعركة (بالعبلاء إلى جنب عكاظ) وهو الصحيح، تقع في جنوبي عكاظ تسمى اليوم العبلا
1
يملكها قوم من عدوان. وكان عامر بن الظرب العدواني من حكام العرب في الجاهلية في عكاظ، ويمكن أن هذه القطعة وما فيها من الآبار والمزارع من ممتلكاته، وأن الباقين فيها إلى يومنا هذا من ذريته، وهو قبل مبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بثلاثمائة سنة تقريبا. وانظر كلام خداش بن زهير حين قال: «ضربناهم ببطن عكاظ حتى»، ثم قال على ذكر يوم شرب: ثم التقوا على رأس الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ بشرب، وشرب من عكاظ. انظر أيها القارئ إلى عبارة صاحب هذا الكتاب قال: وشرب من عكاظ، وهي معركة عظيمة هزمت قريش فيها هوازن. وقال أمية بن الأشكر الكناني:
ألا سائل هوازن يوم لاقوا
فوارس من كنانة معلمينا
لدى شرب وقد جاشوا وجشنا
فأوعب بالنفير بنو أبينا
وقال أيضا:
قومي اللذو بعكاظ طيروا شررا
من رأس قومك ضربا بالمصاقيل
انظر كلام أمية بن الأشكر لما ذكر معركة شرب، ذكرها في نفس عكاظ، والصحيح أن عكاظا فيضه شرب، وقال على يوم الحريرة وهو آخر أيامهم: ثم التقوا على رأس الحول بالحريرة، وهي حرة إلى جنب عكاظ. هذه رواية صاحب أيام العرب، وهذه الحريرة هي التي ذكرها عرام
2
بن الأصبغ السلمي التي تطلع عليها الشمس إذا كنت في عكاظ، وفي هذه المعركة انهزمت قريش، فقالت شعراء هوازن في هذه المعركة قصائد كثيرة منها هذا البيت:
لقد بلوتم فأبلاكم بلاؤهم
يوم الحريرة ضربا غير مكذوب «الخامس»:
وهو بيت الكميت بن زيد في الهاشميات حين قال في قصيدة له طويلة:
أهل الحنيفة فاسأل عن منازلهم
بالمسجدين وملقى الرحل من شرب
قال مصنف هذه الأحرف: قرأت هذه القصيدة التي منها هذا البيت على الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، ونحن ببلدة أشيقر، وهو رجل علامة في جميع الفنون وبالأخص تاريخ العرب وأنسابهم وديارهم وتنقلاتهم، فلما مررت على هذا البيت أشكل علي منه ملقى الرحل من شرب، فسألته عن ملقى الرحل من شرب، فقال لي: إن هذا الشاعر لما ذكر بني هاشم ومكارمهم قال اسأل عن مكارمهم أهل مكة وأهل المدينة وملقى الرحل من شرب، يعني سوق عكاظ، فقلت له: شرب هو اسم لسوق عكاظ؟ قال: شرب واد قريب الطائف ينصب من الغرب إلى جهة الشرق، وعنده واد يقال له وادي الأخيضر ينصب من الغرب إلى جهة الشرق، فعكاظ مجمع الواديين. فقلت له: من أين أخذت هذا التحديد الواضح؟ قال: وجدته في كتاب من مكتبة بالبصرة - هو أحسن من معجم البلدان - عن ذكر نجد وجبالها ومياهها. فقلت له: هذا الكتاب طبع أم خط؟ فقال لي: إنه خط. انتهى.