وأما احتفاله بالطعام وموائده؛ فيظهر من وصف مآدبه للسفراء ولأعيان مملكته، ومن مآدب أعيان الدولة له.
يقول ابن إياس في حوادث المحرم سنة 915: «ومن الوقائع اللطيفة أن في يوم الخميس ليلة الجمعة خامس عشره، نزل السلطان إلى الميدان، ونصب به خيمة كبيرة مدورة، وملأ البحرة التي أنشأها هناك من ماء النيل، من المجراة التي أنشأها، ثم رسم بجمع كل ورد في القاهرة ووضعه في تلك البحرة، وجمع قراء البلد قاطبة والوعاظ، وعلق أحمالا بها قناديل، وفرش حول البحرة الفرش الفاخرة، وعزم على القضاة الأربعة، وسائر الأمراء من كبير وصغير، وأرباب الوظائف من المباشرين، وأعيان الناس قاطبة، وبات السلطان تلك الليلة بالميدان، وبات عنده الأتابكي قرقماس، وجماعة من الأمراء.
ومد تلك الليلة أسمطة حافلة أعظم من سماط المولد، فمد في السماط أربعمائة صحن صيني، ورسم بأن تعمل المأمونية الحموية وكل قطعة نصف رطل، وكان من الإوز والدجاج والغنم ما لا ينحصر، ومن اللحم ألف وخمسمائة رطل، ومن الدجاج ألف طير، ومن الإوز خمسمائة طير، ومن الغنم المعاليف خمسون معلوفا، ومن الرمسان الرضع أربعون رميسا؛
10
حتى قيل: صرف على ذلك السماط فوق الألف دينار، بما فيه من حلوى وفاكهة وسكر وغير ذلك، وكانت ليلة مشهودة.»
وكذلك نجد أعيان الدولة يسرفون في الأسمطة التي يحضرها السلطان؛ فقد أدب القاضي كاتب السر محمود بن أجا للسلطان ورجال الدولة عند مقياس الروضة، مأدبة أنفق فيها سبعمائة دينار.
11 (9) مواكبه وزينته
وكان الغوري يميل إلى الأبهة في زينته وموكبه على شدة حاجته إلى المال.
ووددت أن أمتع القارئ بوصف أحد المواكب بلغة ابن إياس لولا ضيق المجال، فليرجع من شاء إلى الجزء الخامس ص276، 421.
ولكني لا أستطيع إغفال زينة من زينات الغوري، يرى القارئ في وصفها صورة من معيشة القاهرة في ذلك العصر: يقول ابن إياس في الحديث عن ذهاب السلطان إلى المقياس وإقامته هناك يومين في جمادى الآخرة سنة 918: «ثم إن السلطان أوقد في قاعة المقياس وقدة حافلة، باطنا وظاهرا، وعلق أحمالا بقناديل في القصر الذي أنشأه هناك، وعلى شرفات المقياس قناديل في أحمال وأمشاط حتى أوقد جامع المقياس والمئذنة.
ثم إن سكان بر مصر
12
وبر الروضة علقوا في بيوتهم القناديل في الأحمال والأمشاط بطول البرين، حتى أوقدوا المربع الذي أنشأه السلطان للسواقي تجاه بر الروضة.
13
ثم أحضر السلطان المركب الكبير الغليون الذي عمره وأصرف عليه نحوا من عشرين ألف دينار، فأرسوا به قبالة المقياس، وصنعوا له ثماني مراس في البحر، وعلقوا في صواريه القناديل في الأمشاط؛ فكان الذي وقد في المقياس تلك الليلة خمسة قناطير زيت وعشرة آلاف قنديل، ثم صنع السلطان في تلك الليلة إحراقة فكان مصروفها نحوا من مائة وسبعين دينارا مثل إحراقة نفط المحمل التي كانت تصنع بالرملة قدام القلعة،
14
فشقوا بالنفط من القاهرة وهو مزفوف، وقدامه الطبول والزمور؛ فكان عدة قلاع النفط خمسين قلعة والمواذن ستين مئذنة، وأزيار عشرة، وجرار أربعون جرة، وصواريخ كبار ثلاثمائة، وماويات ألف ومائتان، وشجرات عشرة، وتنانير عشرون، وقطع ألفان، وشعل أربعون. فلما وصلوا بالنفط إلى شاطئ البحر أنزلوه في خمسين مركبا، وصفوا المراكب قبالة المقياس عند البسطة، ورسم السلطان للأمراء المقدمين بأن يحضروا طبلخاناتهم في مراكب عند المقياس؛ ففعلوا ذلك، فكان حس الطبول والزمور مع الكوسات
15
مثل صوت الرعد القاصف، فلما صلى السلطان صلاة العشاء جلس على سطح القصر الذي أنشأه على بسطة المقياس والأمراء حوله وأحرقوا قدامه النفط، وكان النيل في ثلاثة أصابع من عشرين ذراعا، وكانت ليلة البدر فدقت كوسات السلطان مع كوسات الأمراء المقدمين، وهم أربعة وعشرون مقدم ألف، فقاموا في صعيد واحد عند إحراق النفط؛ فكانت تلك الليلة لم يسمع بمثلها فيما تقدم، ولم يقع لأحد من الملوك قبله مثل هذه الواقعة، ولا للمؤيد شيخ، ولا للناصر فرج بن برقوق.»