صورة تبين السلطان جالسا على باب قصره يستقبل السفراء.
ولا أريد أن أبين هنا مكانة مصر وعلاقتها مع بلاد الشرق والغرب إذ ذاك؛ فإن من أصعب المباحث التاريخية وأوسعها وأكثرها إمتاعا أن يدرس التنافس بين الدول الإسلامية المتجاورة: الدولة المصرية، والدولة العثمانية، والدولة الصفوية، وموقف مصر بين جارتيها وبين الدول الأوروبية التي تنافسها في بحر الروم وبحر العرب إلى الهند، وتعرف الأسباب التي مكنت سليما من أن يهزم إسماعيل الصفوي وقانصوه الغوري، والأسباب التي أخرت الدول الإسلامية عامة عن منافسة الأوروبيين في مغامراتهم في بحار الشرق.
إن هذه المباحث وما يتصل بها ليست مما يتسع لتفصيله أو إجماله هذه المقدمة؛ وإنما ألمعت إلى هذه الحوادث؛ لأبين مكانة مصر وسلاطينها في ذلك العصر، وأبين العبء الذي اضطلع به الغوري في تدبير أمور مصر الداخلية والخارجية.
وسأذكر في الأوراق الآتية طرفا من سيرة السلطان الغوري أجعله إيضاحا وتكملة لما يستفاد من الكتابين اللذين أقدم لهما هذه المقدمة.
وعمدتي في هذا تاريخ ابن إياس المؤرخ المعاصر المدقق، وقد حرصت على أن أدعه يحدث القارئ بلغته، كلما أمكن هذا؛ لأن آراء ابن إياس ولغته وأسلوبه صور من تاريخ ذلكم العصر. (3) كيف تولى الغوري الملك؟
1
تولى أمر مصر في أواخر القرن التاسع الهجري سلطان من أعظم سلاطين المماليك همة، وأحسنهم سياسة، وأكثرهم برا، هو الملك الأشرف قايت باي، ملك من سنة 872 إلى سنة 901؛ فاستقرت به الأمور في مصر بعد الاضطراب الذي عقب وفاة الظاهر خوشقدم.
وقد شغل زمنا بمحاربة العثمانيين في عهد السلطان بايزيد الثاني ابن الفاتح وظفر عليهم في أكثر الوقائع، ولكنه صالحهم آخر الأمر سنة 896 على أن يرد إليهم مدينتي أذنة وطرسوس.
ولا تزال آثار هذا السلطان الكبير ظاهرة في مصر والحجاز.
وتلا وفاة قايت باي عهد من الاضطراب تداول فيه أمر مصر وما يتبعها خمسة سلاطين: خلفه ابنه محمد، وخلع بعد ستة أشهر، ثم عاد إلى الملك بعد خمسة أشهر فملك ثمانية عشر شهرا، ثم قتل سنة 904، وتوالى بعده ثلاثة سلاطين في ثلاثين شهرا.
فلما اختفى السلطان طومان باي؛ هربا من المماليك، اجتمع رؤساء الدولة ليختاروا سلطانا ينتهي بولايته هذا الاضطراب.
وأنقل هنا من تاريخ ابن إياس جملة تصور الحال تصوير معاصر خبير: «وثب العسكر على العادل «طومان باي» في سلخ شهر رمضان سنة ست وتسعمائة، واختفى في لية عيد الفطر بعد العشاء، فلما أصبح ذلك اليوم وأشيع هروب العادل ركب الأمير قيت الرجبي أمير سلاح، وقانصوه الغوري أمير دوادار كبير إلخ،
2
ثم ظهر خوشكلدي البيسقي، وكان مختفيا من العادل لما أراد القبض عليه، فلما تكاملوا اجتمعوا ببيت قانصوه خمسمائة الذي بقناطر السباع، فحضر إليهم الأتابكي تاني بك الجمالي، وكان مختفيا من حين كسر الأشرف جانبلاط وتسلطن العادل.
فلما حضر وقع الاتفاق على سلطنته أولا، فركب من هناك وعلى رأسه الصنجق
3
السلطاني، وقد ترشح أمره إلى السلطنة، فلما طلع إلى باب السلسلة ليلي السلطنة أشيع في ذلك اليوم أن الأشرف قانصوه خمسمائة باق على قيد الحياة، فأشهروا النداء في القاهرة بأن قانصوه خمسمائة إن كان موجودا فليظهر وله الأمان، وإن لم يظهر بعد ستة أيام فلا أمان له.
فلما طال المجلس انفض العسكر من الرملة، ونزل غالب الأمراء الذين كانوا قد اجتمعوا في الحراقة بباب السلسلة، وكان يوم عيد الفطر، فاختار كل أحد عوده إلى داره حتى يقع اختيار الأمراء على من يولونه السلطنة، فأعرض غالب العسكر عن الأتابكي تاني بك الجمالي، ولم يرض به أحد منهم، وكان الأتابكي تاني بك الجمالي أرشل معكوس الحركات في أفعاله، وطاش لما ذكر للسلطنة، ثم آل أمره بعد ذلك إلى كل سوء، فلم تقم له السلطنة، وكانت من نصيب قانصوه الغوري ...