تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هذا الإحساس الدقيق المتمثل في المفردات يتجلى في التركيب مدهشا؛ فكل كلمة لها في الجملة مكانة يحس بها المتكلم، أو تحس بها الكلمة نفسها، فتعطي أو تأخذ صوتا مكافئا لهذه المكانة، فالكلمة الأصيلة لها أقوى الأصوات وهو الضم، والأخريات لها الفتح والجر. وما أرى هذا إلا ضربا من الحياة في الألفاظ والتركيب، يبين عن أدق الإحساس وألطفه.

وإذا اشتملت اللغات على كلمات هي مادتها، ففي اللغة العربية مادة وقوالب يستعملها صاحبها حين الحاجة، فيها مادة ووزن، فخذ المادة أو اخلقها أو استعرها من لغة أخرى، ثم صبها في قالب من قوالب الأسماء والأفعال، وصورها بالقوالب أو الأوزان ما تشاء، فلغتنا تدل بالمادة والوزن، وبالصيغة والهيئة، فمن سمع فاعلا أو مفعولا أدرك أن هذا الوزن في حركاته وسكناته له معنى يلازمه في المواد كلها. وبهذا امتازت اللغة واستبانت خصائصها، حتى نفت عن نفسها كل كلمة أجنبية ما لم تخضع لأوزانها وقوانينها؛ للأسماء أوزان وللأفعال أوزان، فما لا تزنه هذه الأوزان فهو أجنبي؛ وبهذا بقيت على الدهر المتطاول خالصة نقية، صحيحة قوية.

قيل: إن لغتنا صعبة بهذه المفردات وبهذه التراكيب والأوزان، وإنها تكاد تأبى على دارسها وتعجز طالبها، وهذا حق لا ندفعه، وإن عد عيبا فلا ننكره، ولكنه ليس من نقصان في خلقها، أو اختلال في بنيتها، أو عجز في موادها وأوزانها، ولكنه نتيجة التطور الكامل والنمو التام، فأدنى الأشياء في هذا العالم أيسرها وأقلها تركيبا، والكمال يصحبه التركيب والتفصيل والإشكال والإعضال، اعتبر هذا في النبات والحيوان، وفي الحيوان ذي الخلية الواحدة والإنسان، ثم انظر المراتب بينهما، واعتبر هذا في البداوة والحضارة، وفي أنواع الحضارات، تجد النقص بساطة ويسرا، والكمال تركيبا وصعوبة. الكمال في هذا العالم لا ينال إلا بتطور تلده الأحقاب بعد الأحقاب، وتنوء به العزائم بعد العزائم، فلغتنا صعبة، ولكنها كاملة دقيقة مواتية، حية حساسة، موسيقية متلائمة.

وقد امتحنت هذه اللغة الحضارة الواسعة، واختبرها التاريخ الطويل، فلم تعجز ولم تعي ولم تضق بكل ما أدركه الإنسان من علم، وثقفه من صناعة؛ بل وسعت حضارة القرون المتطاولة، والأمم المختلفة، غير كارهة ولا مكرهة.

وقد أراد الله لها أن تكون لغة كتابه، وترجمان وحيه، وبلاغ رسالته، فاشتملت على العالم الحسي والعقلي مصورا في كلمات وآيات، وجوزيت على هذا خلودا ما خلد للإنسان عقل وقلب، وما استقام له إحساس وإدراك.

وتقلب الزمن، وتوالت المحن، وثارت الفتن، وهي ثابتة ناضرة رائعة، ثبات قوانين الله وروعة كواكبه. خمسة عشر قرنا محت لغات وخلقت لغات وبدلت لغات، وحرفت لغات، والعربية هي العربية، لم تمح ولم تغير ولم تبدل، ما آية الخلود بعد هذا؟

ولم تبق هذه العربية لغة العرب وحدهم، بل ثقفتها الأمم الأخرى، وأولتها من الحفاوة والعناية أكثر مما أولت لغاتها أحيانا، فصارت لغة العلوم والآداب للعرب وغير العرب حقبا طويلة، ما بين أقصى المغرب وأقصى المشرق، ولا تزال على تبدل الأحوال وتوالي الغير لغة أدب وعلم في الأمم الإسلامية غير العربية، وما تزال لغات هذه الأمم مترعة بألفاظها، وما تزال تستمد العربية.

وقد حوت على مر العصور أدبا لا تحويه لغة أخرى، أدبا موطنه ما بين الصين إلى بحر الظلمات، وزمانه أربعة عشر قرنا، ولا نعرف في آداب العالم قديمها وحديثها أدبا اتسعت به المواطن هذا الاتساع، وامتدت به الأعصار هذا الامتداد.

فالعربية بأهلها وموطنها وخصائصها وآدابها وتاريخها، العربية بقرآنها، خالدة باقية على الخطوب والعصور، لغة دين وعلم وأدب وحضارة وإنسانية، فهل تنصرها همم أبنائها، وتستجيب لها عزائمهم؟

| جزيرة العرب

مهد العرب · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ٤