تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اجتمع الأنصار في الحظيرة وهم عماد هذا الإسلام وجنده، اجتمعوا عاتبين على قائدهم العظيم، يرون أنه آثر عليهم جماعة من رؤساء العرب ليس لهم في الإسلام سابقة، ولا في نصرته بلاء، فليت شعري ماذا يقول هذا القائد الكريم، وكيف يرضي خلص جنوده العاتبين؟! استمع: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ - بلى، لله ولرسوله المن والفضل. - ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ - وبماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. - أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ثم لصدقتم: «أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا؛ لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.»

قال الأنصار والدموع تبل لحاهم، وقد غسلت كلمات رسول الله عتبهم، وأيقظت قلوبهم، وزادتهم حبا للرسول وطاعة، وأصابوا فيها ما يحقر كل ما أخذ الناس من مال وما يأخذون، قالوا والدموع تبل لحاهم: رضينا برسول الله قسما وحظا.

| الهجرة مولد تاريخ

تعمد الأمم إلى حدث جليل من أحداثها يبرز بين خطوبها، ويثبت على مر الزمان في أنفسها، فتجعله ميقاتا تبتدئ منه حساب الأيام، وعلما تعد من لدنه الشهور والأعوام، وربما يكون موت أحد كبرائها، أو مصيبة من المصائب التي لا تفصل طورا عن طور، ولا تميز عصرا من عصر، ولا تكون حدا بين سيرة وسيرة، ولا برزخا بين فساد وصلاح، أو رشد وغي، أو عزة وذل، أو جهالة ومعرفة، ولا ينبوعا يطرد منه في حياة الأمة نهر، أو ذكرى تفيض منها المواعظ والعبر، أو مبدأ تعطف إليه في الخطوب الذكر.

وخير ما أرخت به أمة حادث يلد لها تاريخا، أو يغير لها وجهة، أو يهديها إلى غاية، ويبقى على مر الزمان خلاقا للعظائم، مدادا بالفضائل، فياضا بالعظات، تنظر إليه الأمة كلما بعد بها المسير لتنظر أين هي من المكانة التي تراد لها، وأين سيرها من الطريق المبينة؟ وأين وجهتها من الغاية المرجوة؟

وقد كان إلهاما ما رآه ثاني الخلفاء الراشدين عمر الملهم المحدث، حين أشار على المسلمين أن يجعلوا الهجرة مبدأ لتاريخهم، وميقاتا لأعمالهم، فما أعرف حدثا ولد تاريخا طويلا، وخلق عصرا مديدا، واطرد في تاريخ البشر فياضا بالخير مترعا بالحوادث كالهجرة، وما هي إلا سفرة محسوسة قصيرة جعلها الله عنوان أسفار معنوية طويلة في نفوس الأفراد والجماعات والأمم، وما هي إلا نقلة بين بلدين كانت انتقالا من الوثنية إلى التوحيد، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، من الجاهلية إلى الإسلام.

بالهجرة عز الإسلام وانتصرت دعوته، ونفذت شريعته، وتألفت الجماعة الإسلامية الأولى؛ الجماعة التي انتشرت فإذا هي أمة تجمع المشرق والمغرب، وجاهدت فإذا هي ملء الزمان عزما وحزما، وإقداما وصبرا، وثباتا ودأبا، وسيطرت، فإذا دولة تقوم على الأسود والأبيض بشريعة من الحق الشامل والأخوة الجامعة، ثم استقرت وعملت فإذا الحضارة المؤمنة الرفيعة التي تحطم الحدود الفاصلة، وتمحق العصبيات الباطلة، وتسوي بين الناس إخوة عاملين متعاونين، كلهم لآدم، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.

لقد كانت هذه الجماعة الإسلامية القليلة التي أقرتها الهجرة في المدينة كالبذر الطيب يجمعه الزارع الصالح، وينقيه ثم ينثره فيملأ الأرض خصبا وبركة، وكبخار البحر يجمعه السحاب ثم يتفرق به في أرجاء الأرض حياة وطهرا وخصبا ونماء.

الأوابد · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٧