تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتقوم للأمة حكومة يحمل كل واحد فيها قانونا في الخلق يكفل ألا يحيد قيد شعرة عن القانون الذي في الورق، ويتنزل فيها المثل الصالح من الرؤساء إلى من دونهم، حتى يشعر كل عامل أنه يتلقى العدل ممن فوقه، لوحيه إلى من دونه، وأنه حين يعدل لا يتبرع ولا يمن على أحد، وإنما هو الحق والواجب لا محيد عنهما، ولا مفر منهما، ولا يسع الأمر غيرهما.

وحتى لا يقضى في أمر إلا بما كان يقضي به عمر بن الخطاب لو عرض هذا الأمر عليه، لا محاباة ولا حيف، ولا هوادة ولا ضعف، حتى يؤخذ الحق له، وحتى يكون العامل الصغير في أقصى الأرض نائلا حقه، آمنا عليه، كالحاكم الكبير في دواوين القاهرة، وحتى ييأس أكبر الموظفين، وأقرب المقربين من المحاباة، يأس أصغرهم وأبعدهم، لكل حقه، وعلى كل واجبه، وفوق الناس جميعا قانون الأمة وعدل الله.

الجهاد الأكبر الذي يذهب بهذه المساوئ البادية في أنفسنا وأجسامنا، وأزيائنا وطرقنا، وأنديتنا ودواويننا ودورنا، والذي يأخذ الأمة بيد رحيمة حازمة، ويوفي بها على النجاة غير مبالية بصيحات المرضى الذين يكرهون الدواء، والمفسدين الذين ينفرون من الإصلاح إلخ إلخ.

لست أقول: إن أمتنا ابتليت بالشر والفساد بين الأمم، ولكنني أريد لها أن تكون

خير أمة أخرجت للناس ، وأن تصير مضرب المثل بين الأمم في أخلاق أفرادها، ونظم جماعاتها، وسعادة أولادها.

سيقول الضعفاء: هذا مطلب عسير، وأنا أقول: إنما تطمح عزائمنا إلى المطالب العسيرة، وإنما يكافئ هممنا المقاصد البعيدة، وسيقول الذين في قلوبهم زيغ: هذا هذيان، وينسون أن هذا الهذيان تنطق به القوانين كلها، فإن لم يكن عملنا مصدقا قوانيننا، فما جدوى هذه القوانين؟ ليس في الأمر عسر، وليس في الأمر هذيان، ولكنه حق يسير إذا برئت النفوس من يأسها، وخرست الألسن عن هذيانها. وحسبنا أن يقوم على رأس الأمة «عمر» واحد يضرب المثل، ولا يتهاون في إنفاذه، ويقتدي به الناس كلهم، رغبة ورهبة يقتدون به، ويحاول كل منهم أن يجعل نفسه عمر آخر.

إن نفوس هذه الأمة معمورة بالخير، وإنما أضر بنا أن رفعت في كنف العدو رايات للشر، انحاز إليها كل شرير، وأشفق منها كل خير، فازداد المسيئون إساءة، وضعفت نوازع الإحسان في نفوس المحسنين. فاليوم نريد أن نرفع في هذا البلد للخير رايات، ويهاب بما في الأمة من أخلاق؛ ليزداد المحسن إحسانا، ويكف المسيء عن إساءته، فإذا الناس أعوان على الخير، أنصار له، فرحون به، مغتبطون سعداء.

ذلكم الجهاد الأكبر، الذي تضطلع به هذه الأمة الكريمة، وتهديها إليها حكومتها الرشيدة، مؤيدة موفقة مسددة، إن شاء الله.

| عقبة على شاطئ المحيط1

1

من القوم أوغلوا في البيداء يجوبون سيناء، قد أغذوا السير وأقلوا المير؟

2

من القوم تسبح بهم الجمال في لجج الرمال، وتغوص منهم الأشباح والظلال في غمرات الآل،

3

ترفعهم الوهاد إلى الهضاب، وتسيل بهم الهضاب إلى الوهاد، لا يألون تأويبا وإدلاجا،

4

ولا يشكون نصبا ولا كلالا؟

من القوم ترمي عزائمهم الغايات، وتطوي هممهم المسافات، سيان عندهم البعيد والقريب، والعسير واليسير؟

من القوم تضيء بالإيمان قلوبهم، وتقر على اليقين نفوسهم، حداؤهم القرآن، وغناؤهم الأذان، رحالهم معابد، ومنازلهم

5

مساجد، قد شروا لله أنفسهم، وأرخصوا في مرضاته أرواحهم، ورضوا بما قسم لهم، وقد سايروا الشمس مغربين، لا تحويهم البلدان، ولا تستردهم الأوطان، كأنهم نجوم في حبك الأرض، تسير بقدر إلى قدر.

العرب المسلمون يقودهم عمرو، يتوجهون تلقاء مصر، رموا الباطل في جانب، وساروا إليه في جانب، وصرعوه في ميدان، وهرعوا إلى ميدان. هدموا سلطان الروم في الشام، وصمدوا لسلطان الروم في مصر وإفريقية.

بالأمس زحموا الصرح فانهار، ونفخوا زخرف قيصر فطار، وأشاروا إلى الصنم فسجد، وخلى جبروته إلى الأبد. وضعوا سلطان هرقل، ورفعوا سلطان الله، وأقاموا الحرية في مصارع العبودية، وشادوا العدل على مقاتل الجور.

الأوابد · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٦٨