تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تردها الريح عنه رد مغبون

وينفذ الدهر فيها حكمه فإذا

شتى الوريقات بين الماء والطين

أين الشباب الذي راقت نضارته

ورفرفت فوقه أحلام مجنون؟

أنضرة الزهر لم تثبت لناظرها

أم صورة الماء بين الحين والحين؟

أروع الأشياء

4

أتذكرين يوم جئت حيرى

سائلة: ما أروع الأشياء؟

أتذكرين حيرتي وأني

طوفت في الأرض وفي السماء؟

ثم انثنيت واللسان عي

يعثر بين العجز والحياء؟ •••

أتذكرين بعد ذاك يوما

أسلمك الحزن إلى البكاء

ترقرقت فيه الدموع تترى

لألاءة في خدك الوضاء

هذي الدموع، لا عراك حزن

أوحت لقلبي أصدق الإيحاء:

أروع شيء في الورى دموع

في مقلة الحزينة الحسناء

| مصر والبلاد العربية1

بين مصر والبلاد العربية كل ما يؤلف بين الأقوام من وشائج القربى والتاريخ، وكل ما يحكم القرابة من عقائد وعواطف، وآلام وآمال، وكل ما يؤكد الأخوة من حقائق ومنافع. والكلام في هذا تبيين ما لا يعوزه البيان.

يذهب المصري إلى أحد الأقطار العربية فكأنما برح بقعة في مصر إلى أخرى، يرى وجوها يعرفها ولا تنكره، ويسمع من أحاديث الماضي والحاضر ما يسمعه في بلاده، ويحدث عن الهموم والمطامح التي تنطوي عليها نفسه ويخفق بها قلبه. حيثما توجه وجد أهلا بأهل، وإخوانا بإخوان، وأبصر من ذكر التاريخ، ومشاهد الحاضر، وخطط المستقبل ما يوحي إليه أنه في وطنه وبين قومه، وكأنه لا يذهب إلى هذه البلاد إلا ليرى بعينيه ما حدثه به التاريخ، وأحكمته في نفسه النشأة والتعليم.

ذهبت مرات إلى فلسطين والشام والعراق، فكان يخيل إلي أينما سرت أني لا أخطو إلا على صفحات من التاريخ المجيد، ولا أرفع بصري إلا على عنوان من عناوينه، في صورة مسجد أو مدرسة، أو قبة حنت على عظيم من أسلافنا أبطال الإسلام والعربية، وطوفت في العراق مدنه وقراه، وحضره وباديته، فكانت بغداد عندي القاهرة، بل أجل ذكرا، وكانت الكوفة والبصرة والموصل أعظم أثرا في نفسي من طنطا والمنصورة وأسيوط، وكانت مضارب شمر وبني تميم أذهب بي في التاريخ من مضارب القبائل المصرية، وأما دمشق الجميلة الجليلة، فما دخلتها إلا ازدحمت علي أحداث التاريخ، ودفعتني مواكبه، فسارعت إلى الجامع الأموي أنشد قول شوقي:

هذا الأديم كتاب لا كفاء له

رث الصحائف باق منه عنوان

ولست بدعا في هذا، فما أحسب مصريا ذهب إلى هذه البلاد إلا شعر بما أشعر به. •••

وليس الأمر بيننا تشابك أرحام واتصال أوطان فحسب، ولكنه الحب المؤكد والود الصريح ينطق على ألسنة القوم، ويتجلى في أساريرهم، ويبين في أعمالهم، ويشهد به اهتمام القوم بكل صغيرة وكبيرة في مصر، وتحدثهم عن علمائها وأدبائها وأحزابها وقادتها حديث المحب العارف الخبير، وحرصهم على قراءة ما تخرجه مصر من كتب ومجلات وجرائد. وكثيرا ما ترى في الشام والعراق من يعلم عن مصر أكثر من أبنائها، وإذا تحدث هؤلاء الإخوة الكرام عن مصر أشادوا بذكرها، وأكبروا حضارتها، وأعظموا مآثرها على العربية والإسلام، معترفين مغتبطين، لا جاحدين ولا كارهين، وعدوا مجدها مجدهم، وعزها عزهم، وفخروا بها كما يفخرون ببلادهم. •••

وتطلع البلاد العربية إلى مصر، وإنزالها هذه المنزلة أجدى الوسائل إلى التقريب بينها، وتوحيد سننها في التربية والتعليم، والتأليف بين أبنائها، ولم يأل إخواننا جهدا في التودد والتقرب، فماذا يجب على مصر؟

ليست مصر أقل شعورا بإسلامها وعربيتها، ولا أضعف تقديرا للوشائج التي تحكم بهذه البلاد أواصرها، والمصالح التي توثق بها علائقها، ولكن التاريخ السياسي في العصر الأخير فرق بين هموم مصر وهموم أخواتها، وشغلها بغير الذي شغلوا به، فلما أفاقت قليلا إلى نفسها وموقفها بين الأقطار والأمم، لم يلحقها شك فيما بينها وبين أخواتها من أواصر وعرى لا تقوى الحادثات على فصمها، وكلما خف عنها عبء المصائب ازدادت شعورا وبصرا بمكانتها بين أخواتها، وما يجب عليها لهم.

الأوابد · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٦٦