وقلت في مقالي السابق: إن للأخيار إلى مقاصدهم سبيلا واحدة، وللأشرار سبلا شتى، ولكن هذه السبيل الواحدة أحرى بأن تؤدي إلى الغاية، وتوفي على المطلوب، فقلت: إن أصحابك يرون في قالتي هذه نزوعا إلى رأي محمود، ثم قلت: «وما دام جوهر الرأي واحدا، فالسبيل القاصدة أن نطلب لهذه الحال بما يوائم طموح الناس، وكرامة الأخلاق، وسلامة المجتمع.» ثم قلت: «إنه لا معدى عن إحدى وسيلتين: أن تحمل الناس بالدين والسلطان على سبيل الحق الواحدة، وذلك خيال نبيل لا يقع في الإمكان، وإما أن نعيد النظر في قانون الأخلاق. وهذا على ما يرون مظنة التوفيق في الإصلاح الجديد.»
وجوابي أنه ليس في كلامي نزوع إلى رأي محمود إلا أن تقطع المقدمات بعضها عن بعض، ويفصل بين أول الحجة وآخرها، وأما الدعوة إلى إعادة النظر في الأخلاق، فأنا لم أعد في مقالي جملة الأمر إلى تفصيله، لم أجادل عن خلق بعينه، ولم أقل: إن خلقا ما صالح لهذا الزمن أو غير صالح، ولكني قلت: إن الأخلاق الفاضلة التي تتفق عليها أمة أو أمم، لا تكون سبلا إلى الخيبة والحرمان، وإن أردت أن تعيد النظر في الأخلاق فما أنا بمنكر أن الأخلاق تقبل بعض التغيير، ولكن لا إخال إعادة النظر ستغير تغييرا ذا بال فيما سارت عليه الأمم منذ هداها الوجدان والعقل إلى سبل الخير، ولن تحلل هذه الإعادة رذائل كالكذب والسرقة والتزوير والظلم، أو تحرم فضائل الصدق والأمانة والعدل. ومهما تكن النتيجة، فالأخلاق القديمة أو الجديدة لا تكون قرينة الخيبة والشقاء.
وقد ذكرت أيها الأخ الكريم أخلاقا تجعلها مثلا لما تريد تغييره، ذكرت التواضع والقناعة والزهد والمداراة والتوكل، وهذه أمور يختلف فيها النظر، وليست من قواعد الأخلاق، فقل فيها ما يهديك إليه النظر الصائب، ورأيي أن التواضع محمود ما لم يكن ذلة، والقناعة حميدة بقدر ما تحول بين الإنسان وبين الشره والاستكلاب، فإن كانت ضعفا في الهمة، وعجزا عن الإدراك، فهي رذيلة، وكذلك الزهد، وأما التوكل فإن يكن استكانة للحادثات، وخضوعا لكل ما هو آت، فما يرضاه إنسان، وإن كان ثقة بالنفس وانطلاقا في سبل الحياة، لا ترده دون غايته المشاق والأهوال، فما أحوج الناس إليه!
يا أخي: قد أساء العجز والذل تأويل هذه الأمور، وأنت تعرف أن المثل الأعلى للرجل المسلم أن يكون طماحا إلى أبعد غاية، واثقا بنفسه إلى غير نهاية، حرا لا يقر بعبودية، أبيا لا يقيم على دنية، يرى نفسه قائما في هذا العالم بالقسط، قد وكل الله إليه تصريف الأمور، وتقسيم الأرزاق، والهيمنة على الأخلاق. وأين هذا مما فهمه الناس من التواضع والتوكل؟!
وأما الربا فلا يتسع المقام للكلام فيه، وحسبك هذه الثورات الثائرة حوله، والمعارك الهائجة فيه بين البلشفية والرأسمالية.
وأما قياس الأخلاق بالنفع والضر، فقد ذهب إليه بعض علماء الأخلاق، ولكن مذهبا ينتهي إلى منفعة الجماعة وضررها، لا منفعة الفرد وضرره. ولن تقوم لأمة قائمة إن جعلت مقياس أخلاقها نزوات كل إنسان، ونزعات كل فرد.
وبعد، فيا صديقي، أراني حدت عن الموضوع الأول استطرادا معك، فأرجع إلى محمود أحمده على ثورته مخطئا، وأذمه على هدوئه مصيبا، فقد تمثل لي في الأولى حرا ثائرا يريد أن يقلب نظام الأخلاق في الأمة، وتمثل لي في الثانية تكلة نكسا مبطانا، لم يدع على المائدة فتاتا، ولم تدع فيه المائدة بقية لهمة أو عزيمة أو ثورة. فرحمه الله جوعان ثائرا، وأخزاه الله شبعان خائرا!»
| سورية1
سورية الجميلة ذات الخمائل الوارفة، والجنات الناضرة، والمياه الثارة! سورية أنس الفؤاد، وقرة العين.
سورية الكادحة التي يجهد أهلها في السهل والجبل، يخرجون بالماء القليل شتى الثمرات، وينبتون به يانع الجنات، سورية بردى والعاصي.