فإن سأل سائل: أتريد الناس كلهم على قراءة الأدب الرفيع والفلسفة العالية؟ قلت: لا، لا، بل أريد ألا تتحكم السوقية في الأفكار والأقلام، وألا يطغى الرواج على الجودة، أريد أن يؤدي الكاتب أمانته، ويبين عقيدته، غير حاسب حساب السوق، وليكن بعد هذا في الكتابة ما يلائم العامة وما يلائم الخاصة، وما يجمع بينهما. أريد أن يعلو الكاتب ما مكنه طبعه، وأن يدق ما شاء له فنه، لا يعنيه إلا أن يؤدي واجبه على الوجه الأكمل.
وكذلك أريد أن ينزل الكاتب الآخر كما يريد طبعه، وأن يسهل ويدنو كما يشاء فنه، لكل وجهة، ولكل مجال، ولكل قراء. وإذا صدق كل كاتب نفسه، وأخلص لعمله ، فرقت الكتاب المعارف والطبائع، فعلا جماعة وهبط آخرون، وبعد كاتب وقرب آخر، وكانت ضروب الكتابة معبرة عن ثقافة الأمة وأذواقها، ملاقية أصناف الناس بما يسد حاجاتهم، ووجد الناس الصعب والسهل، والبعيد والداني، والغالي والرخيص كلا في بيئته وفي مظانه.
لا أدعو إلى أن يصير الأدباء فنا واحدا في البيان، وأسلوبا عاليا في الكتابة، ولكن أخشى أن تذهب السرعة بالإتقان، وتطغى التجارة على الإحسان، ويمتحن الكتاب حتى يروا حسنا ما ليس بالحسن، ويجرفهم السيل فيتجهوا حيث يريد الناس لا حيث يريدون، وينتقل الزمام من يد القائد إلى يد المقود، ويسير الإمام خلف المأموم، فتنبهم الغايات، وتلتبس الطرق، وتشتبه الأعلام. وما ظنك بجماعة تسير على غير سبيل إلى غير غاية؟!
| المنصور بن أبي عامر
مفخرة من مفاخر التاريخ العربي، ومثل من الهمة الطامحة، والنفس الهمامة، والعزم الذي لا يفل.
1
ينتسب إلى قبيلة معافر إحدى قبائل اليمن. دخل جده عبد الملك بن عامر الأندلس
1
في جند طارق بن زياد، وأقام بعد الفتح في الجزيرة الخضراء، فكان له ولبنيه شأن. واتصل أبو عامر جد المنصور بالخلفاء في قرطبة، وعدت أسرة أبي عامر في أسر الوزراء. وكان أبو حفص والد المنصور متألها زاهدا، شغل بالحديث عن خدمة الخلفاء، ومات قافلا من الحج، فدفن بمدينة طرابلس.
وأم المنصور من أسرة تميمية؛ أسرة بني برطال. ويقول القسطلي في المنصور:
تلاقت عليه من تميم ويعرب
شموس تلالا في العلا وبدور
من الحميريين الذين أكفهم
سحائب تهمى بالندى وبحور
2
ونشأ محمد «المنصور» نجيبا، طماحا، عظيم الهمة، كبير القلب، أثر عنه أيام طلبه العلم بقرطبة نوادر تنبئ باعتداده بنفسه، واستشرافه للمعالي، يقول محمد بن إسحاق التميمي:
كان محمد بن أبي عامر نازلا عندي في حجرة فوق بيتي، فدخلت عليه في بعض الليالي في آخر الليل، فوجدته قاعدا على الحال التي تركته عليها أول الليل حين فصلت عنه، فقلت له: ما أراك نمت الليلة! قال: لا، فقلت: ما أسهرك؟ قال: فكرة عجيبة، قلت: فبماذا كنت تفكر؟ قال: فكرت إذا أفضي إلي الأمر ومات محمد بن بشير القاضي، بمن أستبدله، ومن الذي يقوم مقامه؟ فجلت الأندلس كلها بخاطري فلم أجد إلا رجلا واحدا، فقلت: لعله محمد بن السليم، قال: هو والله، لشد ما اتفق خاطري وخاطرك.
وكذلك رشحته للمعالي نفسه العظيمة، وآماله الكبيرة. والمرء حيث يضع نفسه.
صار محمد من أعوان قاضي قرطبة محمد بن السليم، ثم تقلب في القضاء، وجعل وكيلا لعبد الرحمن بن الخليفة المستنصر وأمه، ولما مات عبد الرحمن جعل وكيلا لأخيه هشام، ورتب له خمسة عشر دينارا كل شهر.
وعرف الخليفة قدر الرجل، فكان يندبه فيما يعضل من الأمور، ثم ولاه الشرطة الوسطى، ولم يأل ابن أبي عامر جهدا في التقرب من هشام وأمه صبح، وكانت ذات مكانة عند الخليفة.
وعهد الخليفة إلى ابنه هشام، فحرص ابن أبي عامر على أن يحتفظ لهشام بولاية العهد، ثم الخلافة بعد أبيه، على كثرة ما اجتهد الصقالبة في تولية المغيرة بن عبد الرحمن الناصر عم هشام.
وتولى قيادة الجيش إلى غزوة نكص عنها كبراء الدولة، ورجع منها مظفرا، فزاد هيبة ومكانة، ثم ولي شرطة قرطبة، فسيطرت على المدينة هيبته وعدله، فأمن الأخيار، وسكن الأشرار.