ماذا يخط القلم، إلا أن يشارك العيون متعتها، والنفوس بهجتها، والقلوب أدعيتها، فيجول في مجال واسع من الفرح الحاضر، أو يقلب صفحات التاريخ عن صفحة من الجمال والسرور لألاءة، أو يطمح في المستقبل إلى حقب من المجد وضاءة، تظللها السعادة واليسر، والصفاء والبشر.
قلبت صفحات التاريخ، فعبرت من عرس إلى عرس، حتى وقفت على عرس كان في الهند في القرن الثامن الهجري، ورأيت من غرابته وطرافته ما يؤهله لأن يعرض على قراء «الرسالة» في هذا الأسبوع المبارك.
2
كان السلطان محمد بن غياث الدين تغلق شاه يملك «دهلي» وما يتصل بها، وبلاد «الدكن»
1
في الربع الثاني من القرن الثامن الهجري «725-752ه»، وكان ملكا ذكيا سخيا، عظيم البطش، جبار السطوة!
وكان يحتفي بالغرباء الوافدين عليه، ولا سيما العزب، وخاصة من انتمى منهم إلى بيت النبوة، كان يبذل لهم من ماله، ويوطئ لهم من كنفه، ويبلغ من إكرامهم وإجلالهم ما يملأ النفس عجبا!
3
وكان آل ربيعة من طيء أمراء على قبيل عظيم من العرب في أطراف الشام في عهد الدولة الأيوبية ودولة المماليك ... كان ملوك مصر يستنجدونهم في اللزبات، ويفوضون إليهم الرياسة على القبائل، ويبالغون في إكرامهم إذا وفدوا عليهم، وقد قدم منهم: فرج بن حية على المعز «أيبك»، فأنزله بدار الضيافة أياما، وأنفق على ضيافته وهداياه ستة وثلاثين ألف دينار! وكان من أمرائهم في القرن السابع والثامن آل مهنى بن عيسى، «وكلهم رؤساء أكابر، وسادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة، وصيت عظيم، إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم.
من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري»
2
4
قدم الأمير سيف الدين غدا بن هبة الله بن مهنى على السلطان محمد، فأكرم وفادته، وأنزله بقصر في «دهلى» يسمى «كشك لعل»؛ أي القصر الأحمر، وجزل له العطايا، وأكثر الهدايا، ثم زوجه أخته الأميرة فيروز.
وكان الرحالة ابن بطوطة إذ ذاك مقيما بدهلي في كنف هذا السلطان، فشهد العروس العظيم، وتولى بعض شئونه، ووصف زفاف الأمير سيف الله والأميرة فيروز. فانظر كيف وصف:
ولما أمر السلطان بتزويج أخته للأمير غدا، عين للقيام بشأن الوليمة ونفقاتها «الملك فتح الله »، وعينني لملازمة الأمير غدا، والكون معه في تلك الأيام، فأتى «الملك فتح الله» بالصيوانات، فظلل بها المشورين
3
بالقصر الأحمر المذكور، وضرب في كل واحد منهما قبة ضخمة جدا، وفرش ذلك بالفرش الحسان.
وأتى شمس الدين التبريزي، أمير المطربين، ومعه الرجال المغنون والنساء المغنيات والرواقص، وكلهن مماليك السلطان.
وأحضر الطباخين والخبازين والشوائين والحلوانيين والشربدارية والتنبول داران،
4
وذبحت الأنعام والطيور، وأقاموا يطعمون الناس خمسة عشر يوما، ويحضر الأمراء الكبار والأعزة ليلا ونهارا.
فلما كان قبل ليلة الزفاف بليلتين جاء الخواتين
5
من دار السلطان ليلا إلى هذا القصر، فزينه وفرشنه بأحسن الفرش، واستحضر سيف الدين، وكان عربيا غريبا لا قرابة له، فحففن به، وأجلسنه على مرتبة معينة له. وكان السلطان قد أمر أن تكون أم أخيه مبارك خان مقام أم الأمير غدا، وأن تكون امرأة أخرى من الخواتين مقام أخته، وأخرى مقام عمته، وأخرى مقام خالته، حتى يكون كأنه بين أهله، ولما أجلسنه على المرتبة جعلن له الحناء في يديه ورجليه، وأقام باقيهن على رأسه يغنين ويرقصن، وانصرفن إلى قصر الزفاف، وأقام هو مع خواص أصحابه.
وعين السلطان جماعة من الأمراء تكون من جهته «الأمير»، وجماعة يكونون من جهة الزوجة، وعادتهم أن تقف الجماعة التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به جلوتها على زوجها، ويأتي الزوج بجماعة، فلا يدخلون إلا أن يغلبوا أصحاب الزوجة، أو يعطونهم آلاف الدنانير إن لم يقدروا عليهم.