تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا ننكر أن الإنكليز نبهونا إلى هذا مرة بعد مرة، وقد مضت سنوات وأوشكت الحرب أن تنتهي، فماذا فعلنا؟ لا أدري! إن الأمر فيما أرى أوضح من أن تضطرب فيه الآراء، وأيسر من أن تقعد دونه الهمم، والزمان ضنين بفرصه، والحوادث لا تعرف الهوادة. إننا لا نصطنع أشياء، ولا نلفق أمورا تصادم الحقائق أو تخالف الرغبات، ولكنا نعالج حقائق ماثلة معترفا بها، نريد أن ننظمها وننتفع بها. ومن تنصره الحقائق وتواتيه الرغبات لا يجد عسرا فيما يحاول.

لو اجتمع ممثلو البلاد العربية الرسميون، أو أتيح للقادة غير الحكوميين أن يجتمعوا، ثم وضع هؤلاء أو هؤلاء خطة، وجعلوا للعرب ميثاقا لا يقبل جدلا ولا ردا، لو فعل هذا للقينا الحادثات بما تطلبه، وأعطينا الفرص ما تستحقه، ولأخذنا السبيل على القال والقيل، ولاسترحنا من الرجم بالظنون والأقوال.

إن لنا الثقة كل الثقة بمن تصدوا لهذا الأمر، واضطلعوا بهذا العبء، واحتملوا مختارين هذه التبعة العظيمة في الوقت الحرج، ورأوا في أنفسهم الكفاية لحمل هذه الأمانة التي تسألهم عنها الأجيال الحاضرة والآتية، ولكنا نسألهم سؤال الحريص على طلبته، ونستعجلهم استعجال القلق على أمنيته.

إنه لا يجدر بنا أن ننام والحوادث يقظى، ونبطئ والخطوب تسرع، ولا نلقى الحادثات بعدتها من التدبر والعزم، وجمع الكلمة، وإجماع الرأي، وسرعة الفصل.

| التأليف والنشر في مصر

حدثني بعض الأصدقاء أن أحد أصحاب المعالي ووزراء الدولة في الحكومة القائمة، دعا إليه جماعة من الكتاب، وحدثهم في تنشيط التأليف في مصر ومكافأة المؤلفين، ووعد في هذا وعودا حسنة إلخ.

وهذا رأي محمود نرجو أن يتلوه العمل، فيؤتي ثمراته بعد حين، وهذه فرصة أنتهزها للتنبيه إلى أمر طالما أهم المفكرين من قراء العربية في الشرق والغرب، وطالما ترددت منه الشكوى، وأخذت به مصر قبل الأقطار الأخرى، ذلكم أمر النشر، نشر الكتب القديمة والحديثة التي مات مؤلفوها، فهو أمر تتحكم فيه الفوضى، يستطيع الواحد من تجار الكتب أن يعمد إلى كتاب من الأمهات في الأدب أو في التاريخ أو غيرهما، ويعهد به إلى من يصححه ويقدمه للطبع، وحسب هذا المصحح أن يستطيع قراءة الكتاب قراءة يتصرف فيها خياله وحظه القليل من العلم، ونشاطه الذي تحده المكافأة القليلة التي ينالها من الناشر، ووجدانه الذي لا يحفل بالأمانة العلمية كثيرا.

وأحيانا يتصدى لنشر الكتب بعض العارفين بأساليب النشر الحديثة، فيعهد في تصحيحه إلى بعض الأسماء النابهة، ويتخذ من وسائل الترويج ما يشاء له طمعه في الربح والصيت، فيستبشر الأدباء ويرجون خيرا، ويتربصون على قلق حتى يظهر الكتاب، فيكبوا على قراءته، فإذا الأمر لا يعدو ما ألفوه من طرق النشر التي لا تصوب غلطا، ولا تزيل شكا، ولا تنال طمأنينة القارئ. لا يعوز الباحث أن يتابع الأدلة من الكتب المشوهة، أو الكتب التي بذل في تصحيحها جهد قليل قصر بها دون الغاية.

نشر بعض الناشرين كتابا قديما في الفرق الإسلامية، فمر على أغلاطه لم يعرض لها، وحرف بعض عبارات ظنها غلطا وهي صواب، وحسبي أن أذكر من فعلاته هذه الواحدة:

ذكر المؤلف رجلا فنسبه إلى قبيلة، وقال: إنه «من ثور همدان»؛ أي قبيلة ثور إحدى قبائل همدان، لا قبيلة ثور الأخرى إحدى قبائل مضر، فحرف الناشر الكلمة إلى «ثغور همذان»، وامتن على القراء في الحاشية بأنه أدرك الحق في هذه الجملة المحرفة!

وأذكر أن ناشرا عمد إلى ترجمة كتاب «كلستان» للشيخ سعدي الشيرازي، الشاعر الفارسي العظيم، فطبعه وكتب على صفحة العنوان: «كتاب جلستان، بقلم العلامة جلستان الفارسي».

وليس العهد بعيدا بكتاب «معجم الأدباء» وما أهمل من غلطاته، وحرف من عباراته، وزيد عليه من شرح يتجلى فيه الخطأ والفضول، وقد أخرج للناس في موكب من التشهير والترويج، وهو في الحق حري أن يكون عيبا لمن أخرجه، وعارا على وزارة المعارف التي احتملت التبعة فيه، فكتبت على صفحة العنوان: «راجعته وزارة المعارف».

الأوابد · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٣١