تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وكانت تحمل سريره السودان الرقاصة؛ للين مشيهم. بذلك قطع أربعة عشر يوما حتى وصل إلى مدينة سالم.»

2

المنصور في قصره من «مدينة سالم» قد استولى على الأمد من مجده، وأوفى على الغاية من عمره، ينظر إلى الحوادث الجسام قد اتخذها درجا إلى المعالي، ويتمثل الزمان رخاءه وشدته، وسلمه وحربه، ويرى الأندلس كلها وأصقاعا من المغرب طوع حكمه، وتحت أمره، ويشفق من تبعات هذا التاريخ المتطاول، وأعباء هذا السلطان العظيم، ويرى كل شيء وراءه، ولا يرى أمامه إلا الموت، يقول:

إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما فيهم أسوأ حالا مني. وددت أن أقال زلتي وأنا كبعض هؤلاء السودان الحاملين لسريري.

وأخذ الرجل العظيم يوصي أمراءه وجنوده، وخلا بولده عبد الملك يوصيه ويودعه، ويقبض على يده، وكلما ذهب عنه استرده مستدركا بوصيته، وعبد الملك يبكي، فينكر عليه ذلك ويقول: هذا أول العجز والفشل.

3

أوصى عبد الملك وصية الخبير المحنك الأريب المجرب، وأفرغ في أذنه وقلبه تجاريب عشرات السنين، ولم يترك عظيما من أمور مملكته وأسرته إلا بينه.

ثم أمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر ، ويعود هو إلى «قرطبة» ليتدارك أمور الملك.

4

ابن أبي عامر في «مدينة سالم» في أقصى الجزيرة الأندلسية، كالأسد أبعد في مسراه، والنسر غالى في تحليقه، يختم مجده مجيدا، وينهي جهاده مجاهدا، ويختم قصيدة ظفره ببيت رائع، وسجل مجده بسطر بليغ، قصيدة مطلعها الطموح، ومقطعها الظفر، وسائر أبياتها الهمة التي لا تقهر، والعزيمة التي لا تنثني، وسجل مقدمته طموح طالب علم في «قرطبة»، وخاتمته ملك حازم، وقائد مظفر، ومجاهد غاز في أقصى الثغور.

ليلة الاثنين لثلاث بقين من رمضان عام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة في «مدينة سالم» مات الرجل النابغة، والعبقري الداهية، ودفن في قصره هناك، وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض، ولا ينقل تابوته. وأراد أن يجعل قبره في الثغر القصي دعوة إلى الجهاد دائبة، ومثلا في المجد سائرا، وحرزا على الثغور حريزا، ورباطا على الحدود مشهودا!

ليت شعري أين قبر المنصور من قصره من «مدينة سالم»؟ بل ليت شعري أين تاريخ ابن أبي عامر من صدور شبابنا، وكتب مؤرخينا، وأقلام كتابنا، وقصائد شعرائنا؟

يا شعراء العربية، من ينظم القصيدة الرائعة التي عنوانها: «وديعة مدينة سالم»؟!

| لا تحزنن!1

هذه أبيات لحافظ الشيرازي الشاعر الفارسي ترجمتها نظما، وحافظت فيها على وزن الأصل وقافيته، لأجعلهما مثلا لما في الشعر الفارسي من أوزان وقواف.

فأما الوزن: فهو الرمل المثمن؛ أي ذو التفعيلات الثمان، والمعروف في العربية أن الرمل لا يزيد على ست تفعيلات.

وأما القافية: فهي المردوفة، والرديف - في العروض الفارسي - كلمة وكلمات تكرر في أواخر الأبيات، فيلتزم قبلها روي يعتمد عليه النظم:

يوسف - المفقود في أوطانه - لا تحزنن

عائد يوما إلى كنعانه، لا تحزنن

بيت الأحزان تراه عن قريب روضة

يضحك الورد على بنيانه، لا تحزنن

رأسك الأشعث يوما سوف يلقى زينة

ويفيق القلب من أحزانه، لا تحزنن

هذه الأفلاك إن دامت على غير المنى

لا يدوم الدهر في حدثانه، لا تحزنن

أيها البلبل يأتيك ربيع ناضر

تستظل الورد في أغصانه، لا تحزنن

لست تدري الغيب في أسراره، لا تيأسن

كم وراء الستر من ألوانه، لا تحزنن

وإذا جزت إلى الكعبة يوما مهمها

فدهاك الشوك من سعدانه، لا تحزنن

ومحيل الحال يدري حالنا بين العدى

والهوى والحب في هجرانه، لا تحزنن

يا فؤادي إن يسل بالكون طوفان الفنا «فلك نوح» لك في طوفانه، لا تحزنن

منزل جد مخوف ومراد شاحط

لم يدم فج على ركبانه، لا تحزنن

حافظ! ما دمت في الفقر وليل حالك

في دعاء الله أو قرآنه، لا تحزنن

| في معترك الخطوب

الحوادث في عراك دائم، والتاريخ في سيل مستمر، وإنما تبقى الأمم في معترك الحوادث، وتثبت في سيل التاريخ، بعقل يرشدها، وخلق يثبتها، وعمل تدفع به عن حياتها، وتؤثر به على الأرض آثارها، وتسطر به في التاريخ ذكرها. كم أمة جرفتها الحادثات، وذهب بها الزمان كما يذهب السيل بالغثاء! وكم أمة ثبتت في مجرى الأحداث كالصخور ينشق الماء عنها ويذهب وهي باقية راسخة!

الأوابد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٢٩