تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن دعوة الإسلام لا تقف حتى يموت الخلق العلي، والقلب الأبي في نفوس البشر.

وقل للذين يزعمون أنهم حماة الإسلام:

1

ما أذل الإسلام إن ابتغى في غير أولاده حماة! وما أذل المسلمين إن رضوا بغير حماية الله! يا حسرة على الحق إن التمس من الباطل حاميا! ويا خسران العدل إن ابتغى من الظلم واليا! وويل لورثة محمد إن لم تحمهم سيرة محمد وخلفائه ومن أنجبتهم العصور من أئمته وأبطاله!

إن في دين المسلم، وإن في قلب المسلم، وإن في خلق المسلم، ما يربأ به عن كل دنية، ويصمد به إلى كل هول، ويثبته في كل كارثة، ويسمو به إلى مقصد جلل.

أيها الحماة الأبرار! لقد أدرتموها على المسلمين حربا طاحنة في المشرق والمغرب، وغزوتموهم بالسلاح والفتنة والفرية، وكدتم لهم في السر والعلانية، واستبحتم فيهم كل منكر، حتى إذا ظننتم أنهم هانوا وذلوا، ويئسوا وملوا، قلتم: هلم أيها الضعفاء، فنحن الحماة الأقوياء!

أيها الحماة! شد ما قسوتم على المسلمين ثم شد ما رفقتم بهم!

أيها الحماة! لقد تعلمون أن بضعة ألوف من بني الإسلام ثبتوا لكم، وسخروا بقواكم وفنونكم، وأساطيلكم وجيوشكم وطياراتكم أكثر من عشرين عاما، ولم يكن سلاحهم إلا عزة الإسلام ومجد الإسلام.

2

سلاحهم عزيمة الجهاد

وقوتهم ما سلبوا الأعادي

يصابرون الأكبد الصوادي

ويأكلون الجوع في البوادي

قد يئسوا يأسا من الأمداد

إلا ثبات القلب في الجلاد

ونصرة الرحمن للعباد •••

أبت لهم كرامة الإسلام

أبى إباء العرب الكرام

أن يسلموا الأوطان دون الهام

منيتهم مشارع الحمام

فلما تكسر في أيديهم كل سلاح، وأعوزهم كل قوت، وضاق على عزائمهم كل مجال، خرجوا من ديارهم أنفة أن يروا الصغار في الديار، وإباء أن تجمعهم والمذلة أرض، وهم اليوم مشردون في الأقطار، قد نالت الخطوب من أموالهم ونعيمهم ودعتهم وجسومهم، ولم تنل من أنفسهم، فكل منهم علم جهاد، وصحيفة فخار، وسجل مآثر، وشهادة ناطقة بما تتجاهلون من العزة الإسلامية، والأنفة العربية.

ألا إن الإسلام لم تنته دعوته ولم تضعف كلمته، وسيبقى كلمة الله في الأرض، ودعوته إلى الحق، وحجته على الخلق، في أمره بالتوحيد والأخوة والحرية، والعمل في الحياة على أقوم السنن، إلى أكرم الغايات.

ألا إن الإسلام دعوة إلى الحياة لا تموت، ودعوة إلى الحرية لا تستعبد، ودعوة إلى العزة لا تذل، ودعوة إلى العمل لا تفتر.

ألا إن الإسلام دعوة إلى السلام والإخاء، وإلى الصدق والوفاء، فإن دارت به الأكاذيب، واجتمعت عليه الأباطيل، وسيم الهوان، وقوبل بالعدوان، فهو دعوة إلى العزة والإباء، والصبر على اللأواء، والموت في سبيل الحق، والخلود من وراء الموت.

| لا غالب إلا الله!

ذهبت البارحة إلى مسرح الحمراء، وقد سمى الأوروبيون كثيرا من ملاهيهم باسم الحمراء بعد أن حرفوه إلى الهمبرا، سألت نفسي في الطريق: كيف حرف الاسم هذا التحريف؟ قالت: إن الزمان ليطمس الأعيان ثم يذهب بالآثار، فما إبقاؤه على الأسماء؟ أشفقت من هذا الحديث أن أتغلغل فيما وراءه من آلام وأحزان فقلت: فيم الفرار من الكد والعناء إلى الملهى إن بدأت حديثه بالمراثي والمصائب؟

أخذت مكاني بين الجالسين، فسرحت طرفي في نسق عربي من البناء والنقش، وإذا منظر يفتح لي من التاريخ فجاجا ملأى بالأهوال والعبر.

لبثت أتأمل البناء متحرزا أن أجتازه إلى ما وراءه من خطوب التاريخ، وما زلت أصوب النظر وأصعده في المسرح حتى جمد البصر على دائرة في ذروته لاحت فيها أحرف عربية ، فكنت وإياها غريبين في هذا الجمع «وكل غريب للغريب نسيب.» بل كنت وإياها نجيين في هذا الحفل لا يفهمها غيري، ولا تأنس من الوجوه الحاشدة بغير وجهي، أجهدت البصر الكليل في قراءة الأحرف فإذا هي: «لا غالب إلا الله.»

يا ويلتاه! شعار بني الأحمر الذي حلوا به قصورهم ومساجدهم، ويل لهذه الكلمة الجليلة الغريبة في هذا الملهى الأعجم؟ قرأت هذا الكلمة فإذا هي عنوان لكتاب من العبر قلبته صفحة صفحة ذاهلا عما حولي، فلم أنتفع بنفسي في مشهد اللهو واللعب، ولم تحس أذني الموسيقى والغناء، أغمضت عيني عن الحاضر لأفتحها على الماضي، وصمت الأذن عن ضوضاء المكان لتصيخ إلى حديث الزمان، وناهيك بجولان الفكر طاويا الأعصار، منتظما البوادي والأمصار، واثبا من غيب التاريخ إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى غيب التاريخ.

الأوابد · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ١٥