يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . من دعا الناس جميعا إلى التنافس في الخير على اختلاف أديانهم ونحلهم، وأنزل عليه:
ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ،
لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .
أين أنتم من هذه الأخوة الجامعة يا ضلال البشر؟ أين أنتم من دعوة الخير العامة يا دعاة الشر؟ أين أنتم من هذه الرحمة يا قساة القلوب؟ أين أنتم من هذا الصلاح يا فساد الشعوب؟
المسلمون أحق باللوم، وأجدر بالتعنيف، فهم أهل هذا الدين وأولى الناس بهديه، وهم هم خذلوه وهجروه، وحفظوا ظاهره وضيعوه
وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، فإن ترهم اليوم في فرقة وشقاق فبما ضيعوا أخوة الإسلام، وإن ترهم في مذلة وهوان فبما فرطوا في عزة الإسلام، وإن ترهم أتباعا فقد علمهم الإسلام شرعة السيادة فنبذوها، وأعطاهم أزمة القيادة فأضاعوها.
أيها المسلمون، هذه ذكرى نبيكم، وميلاد تاريخكم، ومبدأ مجدكم، ومنشأ سعادتكم، فإن شئتم لأنفسكم السيادة والسعادة؛ فكونوا أهلا لهذا الشرف، كونوا بأخلاقكم وأعمالكم جديرين بأن تسموا أمة محمد، ولا تتخذوا الانتساب إلى محمد هزوا ولعبا، وتحسبوا الإسلام أسماء وأقوالا، فإنما هو الأخلاق والأفعال والجهاد الذي لا يفتر، فمن شاء أن ينتسب إلى محمد فهذه سنته، ومن شاء مجد محمد فهذه طريقته!
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
| ذكرى الهجرة
1
يدور الفلك دورانه، ويجري الزمن جريانه، وتكر الحادثات والعبر، وتسير الأمور على قدر، ويطرد نهر الحياة في مجراه بين الأزل والأبد، والناس قوافل مجهودة تضرب في بيداء مجهولة، قد اشتبهت عليهم الأعلام، وانبهمت الغايات، لا يبلغون مدى، ولا يقيمون على منزل إلا ريثما يعدون للمسير، ويتزودون للرحيل، مسير لا يفضي إلى نهاية، ومنازل لا تنتهي إلى غاية. إنما الغاية هذا الدأب المستمر، وهذا الكد المستحر.
والأعوام مراحل في هذا الطريق الأبدي، ومنازل في هذا السفر السرمدي، وقصارى الناس أن يقفوا كل عام وقفة لينظروا إلى الماضي فيقولوا: فعلنا ولم نفعل، ويتطلعوا إلى الآتي فيقولوا: نخاف ونأمل، يحمدون الإنجاح، ويأسون على الإخفاق، ويرجون الخير، ويشفقون من الشر.
وليس الناس سواء في سبيل الزمان، وتيار الحدثان: منهم الضعاف المغلوبون، والعبيد الخانعون الذين تصرفهم الحادثات كما شاءت، ويجري بهم التيار أنى توجه، لا يستطيعون ثباتا ولا دفعا، ولا يملكون ضرا ولا نفعا، كالغثاء يسيل به الماء، إن سئلوا: لم فعلتم؟ قالوا: سلطان الزمان القاهر، وإن قيل: لم لا تفعلون؟ قالوا: العصر القاسر.
ومن الناس الأباة الأحرار، أولو الألباب والعزائم الذين تثبتهم عقولهم وقلوبهم وهممهم، فيقومون المقام الذي يرضون، وينهجون النهج الذين يريدون، يسخرون بالزمان وسلطانه، والعصر وحكمه، يمهدون الطريق للخير، ويسدون الطريق على الشر، ويقفون في مجرى الخطوب كالصخرة في مجرى السيل يجيش الماء حولها ويزبد، ويصدمها فينشق عنها، ويمضي وهي مكانها راسخة، ويثبتون كالسد في النهر يحبس ماءه ويصرفه عن وجهته.
هؤلاء أحرار يعبدون الزمان ولا يعبدهم، ويصرفونه ولا يصرفهم، ويسيطرون على العصور ولا تسيطر عليهم، بل هم يخلقون العصور والأجيال، ويذللون الزمان والمكان، لا يعتلون بسلطان الزمان وحكم العصر، ولكن يحتجون بالحق والخير، شاء الزمان أو أبى، ورضي العصر أم سخط، كأنما إرادتهم وعزائمهم وحي الله وسلطان القدر. لهم كل حين قول سديد، وعمل جديد، وجهاد في الحق، ونصرة للخير. ورب فرد من هؤلاء قد خلق جيلا وأنشأ أمة، وبدل عصرا بعصر، وزمانا بزمان.