ثم وكد الرسول ما بلغه وعلمه ثلاثا وعشرين سنة من حرمة الدماء والأموال والأعراض. وكد ما أبطل به الحروب المتمادية، والغزوات المستمرة، والثارات المستعرة، وما هدم به جاهلية العرب هدما، وردها شرعا من السلام والوئام، وسلطان القانون العام، فقال: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا ... وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ فهو أول من أبدأ به من دماء الجاهلية.»
ثم عمد الرسول الذي علم البر بالفقير، وجعل له حقا في مال الغني، وعطف القلوب بعضها على بعض وأشعرها البر والمواساة. عمد إلى هذا الإثم الآثم والجرم المنكر الذي تتبرأ منه الأخلاق والمروءة، هذه الشرعة الدنيئة التي تحكم الغني في رقبة الفقير بدراهم معدودات، وتتغلغل في الأخلاق والأموال تغلغل السوس، فأعاد ما وكده الكتاب والسنة من إبطال الربا، وأعلن أنه سواء منه ما تقدم وما تأخر، قد محقه الله ومحق آثاره، فقال: «وإن كل ربا موضوع، ولكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا. وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله.»
ولم ينس النساء وقد أنقذهن من الوأد، وأشركهن في الإرث، وجعل لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وشرع لهن الشريعة الكافلة سعادتهن وسعادة الأمة. لم ينس النساء في هذا الموقف العظيم الذي يوصي فيه بأصول شريعته، قال:
أما بعد، أيها الناس؛ فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ... واستوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ... فاعقلوا أيها الناس.
ليت النساء أخذن الحقوق وأدين الواجبات! ليت ثم ليت!
ثم وكد نبي التوحيد والأخوة ما بني عليه شرعه من التراحم والتآخي والمساواة والمواساة، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، سواء فيهم الأسود والأبيض، كلهم لآدم، وكلهم عباد الله، وكلهم إخوة في الله، قال الرسول الأكرم: اعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه ... أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني قد بلغت، واعقلوا. تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس؛ فلا تظلموا أنفسكم. اللهم هل بلغت؟
قال الحاضرون: نعم، قال الرسول: اللهم اشهد.
ذلكم ما أوصى به الرسول يوم الحج الأكبر في حجة وداعه، وتلكم حقوق الإنسان دوت بها أرجاء العالم قبل ألف وثلاثمائة وخمسين سنة. تلكم وصايا الرسول لأمته تدوي بها الأجيال، وتسمعها الآذان، فأين منها الأعمال؟
إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين .
| في مجلس رسول الله
ثقة الحر بالحر
دعوة الإسلام تخترق الآفاق، ونور الإسلام يمزق الظلمات، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم
ماض في جهاده، دائب على إرشاده، يرى تباشير الصبح في أعقاب الليل، ويبصر بسمة الحق لهزيمة الباطل، ويتلقى وفود الإسلام بعد اثنين وعشرين عاما لقي فيها هو وصحبه ما لقوا من جبروت الشرك، وكبرياء القوة، وعنت الظلم، ولجاجة الباطل، وهجوم الأهوال، وإحاطة المهالك.
وبنو سعد بن بكر في ديارهم شرقي الحجاز إلى الجنوب سمعوا الدعوة الإسلامية، وأحاطت بهم آياتها، وتريثوا حتى لم يبق للريث موضع؛ فأجمعوا أن يتعرفوا كنه هذا الأمر، وفيصل هذه القضية.
هذا رئيسهم ضمام بن ثعلبة يشد رحله إلى المدينة ليلقى صاحب الدعوة ويتبين أمره، وها هو ذا يسير في المدينة يسأل عن الرسول حتى يدخل المسجد راكبا، وينيخ جمله في فنائه، فانظر إليه في صراحة الرجل الحر يتقدم إلى النبي وأصحابه غير متلجلج ولا متردد.
ضمام : «أيكم محمد؟»
الصحابة : «هذا الرجل الأبيض المتكئ.»