جلبت حمامي قبل يوم حمامي
نظمها الشاعر في رأس عين، وأرجأ قولها إلى أن لقي سيف الدولة بإنطاكية، ولا ريب أن مرور الشاعر برأس عين كان في إبان ذهابه إلى الشام، وقد كان ذلك سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة؛ فإن صح هذا، يكون المتنبي قد رحل إلى الشام وسنه ثماني عشرة سنة.
وقد وضع الواحدي في شرحه القصيدة التي أولها:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا
والبين جار على ضعفي وما عدلا
في القصائد الشامية؛ أي إنها وما بعدها إلى الكافوريات، قيلت في الشام، أما ما قبلها، فقيل في العراق، وليس ما قبلها بكثير.
ولم يبد شاعرنا الكبير حنانا إلى وطنه العراق، الذي سلخ فيه ثماني عشرة سنة من عمره، وإنما ذكره في بعض قصائده، وذكر أن وطن الإنسان هو الأرض التي حل فيها فلقي خيرا وصحابا، ويبدو أن وطنه ذلك قد نبا به، وضاق بآماله وأحلامه وطموحه.
ولم تكن رحلة المتنبي إلى الشام ومكثه به وقوله الشعر، إلا في طلب المجد والسؤدد ورفعة الشأن، ولا ندري أسافر إليها وحده، أم سافر في صحبة والده؟
وجدير بنا، قبل أن نمضي في ترجمة شاعرنا إبان إقامته في الشام، أن نلمع إلى الحالة السياسية بها في هذه الفترة؛ لما لها من أثر كبير في حياة الشاعر وسيرته.
فلقد كانت الشام - على عهد المتنبي - مقسمة بين الأخشيد وابن رائق، ثم بين الأخشيد وسيف الدولة، وقد استمرت المنازعات عليها منذ سنة ست عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر بالله العباسي، وقد ولى محمد بن طغج على الرملة، ثم أضاف إليه دمشق سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، وكانت حلب في أيدي ولاة يرسلون من بغداد، ثم ولي محمد بن طغج مصر أيضا ثم عزل عنها، وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في عهد الراضي بالله العباسي عظم أمر ابن طغج، فأعيدت ولايته على مصر، وامتد سلطانه على الشام كلها، وخلع طاعة الخليفة؛ فأرسل إليه ابن رائق، فاستولى على الشام وولى ابن يزداد حلب، ثم دمشق، وكان الأخشيد قد استقر على الرملة، فسير جيشا يقوده كافور إلى الشام، فهزم ابن يزداد واستولى على حلب، ثم استقر سلطان الأخشيد على الشام كلها، وفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة استولى سيف الدولة على حلب، وبقي الأخشيديون في دمشق.
وقد مدح أبو الطيب من رجال هذه الوقائع مساور بن محمد الرومي، والحسين بن عبد الله بن طغج، وهو ابن أخي الأخشيد، وطاهر العلوي، قال في مساور القصيدتين اللتين مطلعاهما:
جللا كما بي فليك التبريح
أغذاء ذا الرشإ الأغن الشيح (و)
أمساور أم قرن شمس هذا
أم ليث غاب يقدم الأستاذا
ويعني الشاعر بلفظة «الأستاذ»: كافورا.
وكانت طريق أبي الطيب إلى الشام هي طريق الجزيرة، فمر برأس عين وانتهى إلى منبج، حيث أقام يمدح جماعة من رؤساء العرب، وأول قصائده الشامية في الديوان يمدح بها سعيد بن عبد الله الكلابي المنبجي - وهي القصيدة التي أشرنا إليها من قبل - ثم مدح الشاعر جماعة أخرى في منبج وطرابلس وغيرهما من بلاد الشام الشمالية.
ولا نحب أن نمضي قدما في سيرة الشاعر، دون أن نقف بحادثة ادعائه النبوة، وهي الحادثة التي أثرت أكبر التأثير في صوغ سيرته في كتب الأدب؛ لنعلم أحقا كان ذلك أم كذبا؟ فإن كان كذبا فلماذا لقب بالمتنبي ؟ •••
لا جدال في أن أبا الطيب سجن بالشام في أيام شبابه، فقد أجمع على ذلك رواة سيرته جميعهم - كما أنبأ به في شعره - أما سبب سجنه فذلك ما اختلف فيه الرواة بعضهم مع بعض، وما اختلف فيه أبو الطيب، مع رواة سيرته، ويقول الخطيب البغدادي: إن أبا الطيب «لما خرج إلى كلب وأقام فيهم ادعى أنه علوي حسني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي، إلى أن أشهد عليه بالشام بالكذب في الدعويين، وحبس دهرا طويلا، وأشرف على القتل، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق.» ويقول أيضا رواية عن خلق يتحدثون: «إنه تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية، فقاتله وأسره، وشرد من اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه في السجن حبسا طويلا فاعتل وكاد أن يتلف، حتى سئل في أمره؛ فاستتابه وكتب عليه وثيقة أشهد عليها فيها ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام.»