وإنما نترامى بهذا كله إلى أن يكون هذا الكتاب - ديوان المتنبي وشرحه ومقدماته - كفيلا بتحقيق كل ما يصبو إليه دارس شعر المتنبي.
وإني أسأله - سبحانه - أن يهبه من السلامة ما يحقق له رضا المنصفين، ويضفي عليه من القبول ما يعم به انتفاع المتأدبين، إنه سبحانه بذلك كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
عبد الرحمن البرقوقي
1357ه/سنة 1938م
| سيرة المتنبي
نسبه
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار الجعفي الكندي الكوفي، أو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي ... إلخ، كما روى الخطيب وابن خلكان، وروى بعض المؤرخين: أحمد بن محمد ... إلخ.
وجعفي جد المتنبي:
1
هو جعفي بن سعد العشيرة من مذحج من كهلان من قحطان، وكندة التي ينسب إليها، محلة بالكوفة، وليست كندة القبيلة كما ظن بعضهم خطأ.
وكان والد المتنبي يعرف بعبدان السقاء، يسقي الماء لأهل المحلة، أما جدته لأمه فهي همدانية صحيحة النسب، وكانت من صلحاء النساء الكوفيات، وكان جيرانهم بالكوفة من أشراف العلويين، وكان لأبي الطيب منهم خلصاء وأصدقاء.
ولم يذكر المتنبي في شعره نسبه أو قبيلته، ولا أشار إلى والده أو جده، وإنما ذكر جدته لأمه، وكان يدعوها والدته، في أشعار منها:
أمنسي الكون وحضرموتا
ووالدتي وكندة والسبيعا
وقد روى الخطيب عن علي بن المحسن عن أبيه قال: «وسألت المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به، وقال: أنا رجل أخبط القبائل وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بينه وبين القبيلة التي أنتسب إليها، وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني.»
على أن المتنبي قد دافع عن نسبه هذا، في القصيدة التي مطلعها:
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله
أول حي فراقكم قتله
وإن يكن لم يذكره، وإنما أشاد بآباء له عظام، في قصيدته هذه، وفي مواضع أخرى من شعره، دون أن يذكر رحله أو عشيرته أو قبيلته.
ولم يكن المتنبي يعنى بأن يعرف عنه إلا أنه المتنبي، لا يفخر بقبيلة، إنما تفخر به القبيلة التي هو منها، قال في إحدى قصائد الصبا:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
وقال في رثاء جدته لأمه:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد
لكان أباك الضخم كونك لي أما
ويقول بعض مؤرخي الأدب العربي: إن بعض شعر المتنبي قد يدل على عصبية يمانية، فأكثر ممدوحيه في أيامه الأولى من قبائل يمانية، مدح شجاع بن محمد الأزدي، وعلى بن أحمد الطائي، وغيرهم، ومدح التنوخيين في اللاذقية، وقال للحسين بن إسحاق التنوخي يمدحه - بعد أن هجاه بعض الناس ونسب الهجاء إلى المتنبي:
أبت لك ذمي نخوة يمنية
ونفس بها في مأزق أبدا ترمي
على أن ذلك الذي يكتم نسبه عن الناس فينسى الناس ذلك النسب، والذي يختلف المؤرخون في تسمية آبائه، ليس ذا نسب نابه على كل حال، ثم إن خلط كندة التي ولد بها المتنبي، بكندة القبيلة، شيء يحقق خمول نسب شاعرنا الكبير وتفاهته، وهو - على الرغم من كل أولئك - عربي قح، عريق في عروبته، فلا يعيبه أن كان من بيت فقير.
أسرته
ولقد اتفقت روايات المؤرخين على أن أبا المتنبي كان سقاء، وقد هجاه ابن لنكك البصري لما سمع بقدومه بغداد راجعا من مصر فقال:
لكن بغداد جاء الغيث ساكنها
نعالهم في قفا السقاء تزدحم
وقال شاعر آخر:
أي فضل لشاعر يطلب الفض
ل من الناس بكرة وعشيا
عاش حينا يبيع في الكوفة الما
ء وحينا يبيع ماء المحيا
وروي أن والد المتنبي سافر به إلى الشام، وتنقل به بين حضرها وباديتها ومدرها ووبرها، وردده في القبائل.
على أن الثابت الذي ينطق بأن والد المتنبي لم يكن رجلا نابه الشأن - كما يرجح الرواة - أنه مات فما رثاه ولده بكلمة واحدة.
أما والدة المتنبي، فلم يذكر الرواة عنها شيئا، ويرجح أنها ماتت في حداثته قبل سفره إلى الشام، وأما جدته لأمه فقد تقدم ذكرها، وهي التي تفردت من بين أسرته جميعا برثائه لها واحترامه الفخم. قال إبان اعتقاله: