تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد يأتي مائة شاعر بالمعنى الذي لا يختلف في الطبيعة ولا في السياق ولا في الفهم، فيديرونه في مائة بيت تكون في مائة ديوان، ومع ذلك ترى أحوالهم فيه متباينة، وصناعتهم في أخذه مختلفة، وتراهم قد تناولوه بوجوه كثيرة تحقق فيه عمل أمزجتهم، وتلقي عليه اختلاف أزمانهم، وتجري به في طرق حوادثهم، كأنه مع كل منهم قد ولد ونشأ

2

فهو مع هذا قوي، ومع الآخر جبار، ومع الثالث ضعيف، ومع رابع متهالك، وتارة بدين، وأخرى هزيل، وثالثة بينهما، وهكذا، ولولا ذلك لم يكن الكلام إلا تكرارا، وبطل فيه عمل العقل، وأصبح رثا باليا، وذهب مع الذاهبين الأولين، ولم يبق فيه لشاعر إلا إقامة الوزن، ولو كان هذا لنسخ لقب الشاعر من الأرض، ولم تعد للبيان صناعة، ولا بقيت في القرائح مادة إلهية من الإلهام.

وشأن المتنبي كالشأن في نوابغ الدنيا: فالشاعر النابغة لا يمهر بإرادته، ولا ينبغ بأن يخلق في نفسه مادة ليست فيها، وإنما هو يولد مهيئا بقوى لا تكون إلا فيه وفي أمثاله، وهو زائد بها على غيره ممن لم يرزق النبوغ - كما يزيد الجوهر على الحجر أو الفولاذ على الحديد، أو الذهب على النحاس - ثم تتفاوت هذه القوى في النوابغ ؛ فتتنوع وتتباين، وتعمل فيها أحوالهم وأزمانهم وحوادثهم، ومن ثم يجتمع لكل منهم شخصية، ويستقل منها بطريقة ومذهب؛ فإذا تناول معنى من المعاني تناوله على طريقته: فإما حذف منه، وإما زاد فيه، وإما غيره وقلبه، وإما صب على حذوه معنى جديدا يلم به أو يشبهه، أو لا يكون فيه إلا أنه جاء على طريقه حسب. فكثيرا ما يقرأ النابغة كلاما لغيره، أو يتأمل خاطرا، أو يشهد أمرا؛ فإذا كل ذلك قد أوحي إليه وانعكس على مرآة ذهنه بمعان مبتكرة طريفة لا تشبه ما كان بسبيله وجها من الشبه - لا قريبا ولا بعيدا - وليس فيها إلا أنها جاءت من ذلك الطريق، وهو بعد لم يتعمل لها ولم يتكلف ولم يصنع شيئا، وإنما هو تلقى من ذهنه وتلقى ذهنه من قوة لا يدري ما هي ولا أين هي؟

وكما يختار النبي يختار النابغة - وليس كل الناس أنبياء، ولا كلهم نوابغ - ولا يصنع النبي أكثر من أن يتلقى عن الوحي، وكذلك يتلقى النابغة عن البصيرة، وهي تكون فيه هو وحده بمقام الملك من الملائكة أو الشيطان من الشياطين، على حين تكون في سواه بمقام الإنسان من الناس، فالرجل الذكي أشبه بإنسانين: أحدهما هو، والآخر بصيرته، وهو بذلك أقوى من غيره، ولكن النابغة - وبصيرته أشبه بإنسان وملك، أو إنسان وشيطان - فهو دائما أقوى من القوة، وهو دائما متصل بشيء فوق الإنسانية.

وإذا تقرر هذا: فليس للنابغة اختيار فيما يأتي به، وليس عليه إلا أن يأخذ ما يؤتاه كما يتهيأ له على طريقته، ومن هنا ترى المتنبي يأتي أحيانا بالتعقيد المستكره واللفظ المتكلف، وتراه يتعسف ويتخبط ويسف، ومع ذلك لا ينفي مثل هذا من شعره ولا يحذفه، وهو قادر على أن يغنى عنه وليس في حاجة إليه، ولكنه بعض طريقته التي انطبع عليها، فلا يستطيع حين يجيئه الرديء أن يجعله جيدا، وليس إلا أن يأخذه كما هو؛ لأنه هو الذي انبثق له عن الجيد، كما تضرم النار من مادة، فإذا هي شعل ودخان، ثم تضرمها من مادة أخرى فإذا هي لهب صاف يتألق؛ ولو أنك أردتها من المادة الأولى كما تجيء من الثانية لأطفأتها وذهب دخانها ونارها معا.

وهذا سر لم يتنبه إليه أحد ممن كتبوا عن المتنبي، فاشدد يدك عليه، وادرس المتنبي على هذه الطريقة، فستجده نابغة في جيده ورديئه، وستجده لا يستطيع غير المستطاع، وستجد طريقته كأنما فرضت عليه فرضا؛ لأنه كذلك ألهم، وعلى ذلك ركب طبعه، وكان ظلامه ظلاما؛ لتسطع فيه النجوم. •••

أما الإفاضة في ترجمة المتنبي ونشأته وأخلاقه وما إلى ذلك، فلا يأتي أحد بجديد ... وقد أصبح المتنبي - دون غيره من شعراء العربية - كأنه في غير حاجة إلى الترجمة؛ إذ هو كالقطعة من تاريخ الأدب، فالكلام عنه متداول مشهور، وهذا بعض ما اختص به؛ فقد تحتاج مع شعر كل شاعر إلى ترجمته، ولكنك لا تحتاج من أبي الطيب إلا إلى شعره، وترى شعره ترجمة روحه، ولذلك اجتزأنا في هذه الكلمة بيان سره الشعري، ثم أنت - بعد ذلك - في حقيقة الرجل؛ أي شعره وشرح شعره الذي نقدمه إليك ... •••

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٥