جاء في معجم الأدباء لياقوت وفي وفيات الأعيان لابن خلكان ما تلخيصه:
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي: كان أبوه جني مملوكا روميا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي - أقول: فهو إذن من أبناء يونان، لا من أبناء عدنان، وبعبارة أخرى: هو من أبناء الموالي، شأنه شأن أكثر حملة العلم، ونوابغ الشعراء والأدباء في الإسلام - وإلى أصله أشار بقوله:
فإن أصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي
على أني أئول إلى
قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا
أرم الدهر ذو الخطب
1
أولاك دعا النبي لهم
كفى شرفا دعاء نبي
ولد ابن جني بالموصل قبل الثلاثين والثلاثمائة للهجرة، وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة 392ه ببغداد، وكان أبو الفتح ممتعا بإحدى عينيه، وما أظرفه حين يقول لأحد أصدقائه:
صدودك عني ولا ذنب لي
دليل على نية فاسده
فقد وحياتك مما بكيت
خشيت على عيني الواحده
ولولا مخافة ألا أراك
لما كان في تركها فائده
وحدثوا أنه صحب أبا علي الفارسي
2
أربعين سنة، وكان السبب في صحبته له: أن أبا علي اجتاز بالموصل، فمر بالجامع وأبو الفتح في حلقة يقرئ النحو وهو شاب، فسأله أبو علي عن مسألة في التصريف فقصر فيها، فقال له أبو علي: تزببت وأنت حصرم ... فسأل عنه، فقيل له: هذا أبو علي الفارسي، فلزمه من يومئذ، واعتنى بالتصريف، فما أحد أعلم منه به، ولا أقوم بأصوله، وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه؛ فلما مات أبو علي تصدر أبو الفتح في مجلسه ببغداد، فأخذ عنه كثير من أعلام العلماء ... وحدث أبو الحسن الطرائفي قال: كان أبو الفتح عثمان بن جني يحضر بحلب عند المتنبي كثيرا، ويناظره في شيء من النحو من غير أن يقرأ عليه شيئا من شعره، أنفة واستكبارا لنفسه، وكان المتنبي يقول في أبي الفتح: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس ... وسئل المتنبي بشيراز عن قوله:
وكان ابنا عدو كاثراه
له ياءي حروف أنيسيان
3
فقال: لو كان صديقنا أبو الفتح حاضرا لفسره ... وكان لابن جني من الولد علي وعال وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء قد خرجهم والدهم وحسن خطوطهم، فهم معدودون في الصحيحي الضبط وحسني الخط ... ولابن جني شعر - ولكنه كسائر شعر العلماء - فمنه:
غزال غير وحشي
حكى الوحشي مقلته
رآه الورد يجني الور
د فاستكساه حلته
وشم بأنفه الريحا
ن فاستهداه زهرته
وذاقت ريحه الصهبا
ء فاختلسته نكهته
4
وقال الباخرزي في دمية القصر: ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات، وشرح المشكلات، ما له، وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض
5
حتى قرأت له مرثية في المتنبي أولها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدب
وصوحت بعد ري دوحة الكتب
6
ما زلت تصحب في الجلى إذا انشعبت
قلبا جميعا وعزما غير منشعب
7
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره
تمطو بهمة لا وان ولا نصب
8
من للهواجل يحيي ميت أرسمها
بكل جائلة التصدير والحقب
9
قباء خوصاء محمود علالتها
تنبو عريكتها بالحلس والقتب
10
أم من لبيض الظبا توكافهن دم
أم من لسمر القنا والزغف واليلب
11
أم للجحافل يذكي جمر جاحمها
حتى يقربها من جاحم اللهب
12
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها
بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للصواهل محمرا سرابلها
من بعد ما غربت معروفة الشهب
13
أم للمناهل والظلماء عاطفة
يواصل الكر بين الورد والقرب
14
أم للقساطل تعتم الحزون بها
أم من لضغم الهزبر الضيغم الحرب
15
أم للملوك يحليها ويلبسها
حتى تمايس في أبرادها القشب
16
باتت وسادي أطراب تورقني
لما غدوت لقى في قبضة النوب
17
عمرت خدن المساعي غير مضطهد
كالنصل لم يدنس يوما ولم يصب
فاذهب عليك سلام المجد ما قلقت
خوص الركائب بالأكوار والشعب
ومن شعر ابن جني:
رأيت محاسن ضحك الربيع
أطال عليها بكاء السحاب
وقد ضحك الشيب في لمتي
فلم لا أبكي ربيع الشباب
أأشرب في الكأس، كلا وحاشا
لأبصره في صفاء الشراب