فيصير ما استترت به لذهاب
لا تنكري وضح المشيب فإنما
هو زهرة الأفهام والألباب
فلدي ما تهوين من زهر الصبا
وطلاوة الأخلاق والآداب
ومن شعر الغزال الهين اللين الذي يرتفع له حجاب السمع، ويوطأ له مهاد الطبع - كما يقولون - قوله:
قالت: أحبك، قلت: كاذبة
غري بذا من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبله
الشيخ ليس يحبه أحد
سيان قولك ذا وقولك
إن الريح نعقدها فتنعقد
أو أن تقولي: النار باردة
أو أن تقولي: الماء يتقد
وقوله:
لا ومن أعمل المطايا إليه
كل من يرتجي إليه نصيبا
ما أرى ها هنا من الناس إلا
ثعلبا يطلب الدجاج وذيبا
أو شبيها بالقط ألقى بعيني
ه إلى فارة يريد الوثوبا
وحدثنا أبو بكر بن القوطية قال: كان عباس بن ناصح الثقفي؛ قاضي الجزيرة الخضراء، يغدو على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها، فمرت بهم يوما قصيدته التي أولها:
لعمرك ما البلوى بعار ولا العدم
إذا المرء لم يعدم تقى الله والكرم
حتى مر بهم قوله:
تجاف عن الدنيا فما لمعجز
ولا عاجز إلا الذي خط بالقلم
وكان الغزال إذ ذاك في الحلقة، وكان حدثا نظاما متأدبا متوقد القريحة فقال: أيها الشيخ، ما الذي يصنع مفعل مع فاعل؟ فقال: كيف تقول؟ فقال: كنت أقول: فليس لعاجز ولا حازم، فقال له عباس: والله، يا بني، لقد طلبها عمك فما وجدها. (تمت هذه الرسالة.)
وقد كتبت في قرطبة بقصر سيدي الحكم ولي عهد المسلمين، وابن مولانا عبد الرحمن الناصر؛ أمير المؤمنين، وذلك في شهر أغشت الرومي سنة ست وخمسين وتسعمائة، الموافقة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة هجرية.
| هوامش