21
وعبيد الله بن زياد ومن على شاكلتهم من نوابغ الآكلين، لقد أوتوا من دواعي اللذة الحظ العظيم! وهل هناك - أنار الله بصيرتك - أسخف من جماعة النباتيين، وإن لي مع شيخهم شيخ المعرة لحديثا سيمر بك بعد حين، وكيف لا يعذر المعتر
22
المحروم إذا تهالك على لذيذ المطعوم، وما أظرف ذلك الأعرابي الذي لا عهد له إلا بالشيح والقيصوم،
23
ولسان حاله يقول:
الأبيضان أبردا عظامي
الماء والفت بلا إدام
وقد حضر طعام أحد الأمراء وأكل معه، فلما أحضر الفالوذج
24
قال له الأمير: إن أكلت هذا حززت رأسك، فأطرق مليا، ثم مد يده إليه وقال: أوصيك أيهذا الأمير بصبيتي خيرا ... ومثله الأعرابي الذي آكل يوما معاوية، فأخذ شيئا من بين يديه، فقال له معاوية: لقد انتجعت، فقال الأعرابي: من أجدب انتجع!
25
ثم أحضر جدي حنيذ،
26
فأخذ الأعرابي يمزقه ويمعن في أكله، فقال معاوية: يا هذا، أتطالب هذا البائس بذحل
27
هل نطحتك أمه؟ قال: وأبيك إنك لشفيق عليه! هل أرضعتك أمه! وكان لزياد بن عبد الله الحارثي جدي لا يمسه أحد، فعشى في شهر رمضان قوما منهم أشعب، فعرض أشعب يوما للجدي من بين القوم، فقال زياد حين رفعت المائدة: أما لأهل السجن إمام يصلي بهم؟ قالوا: لا، قال: فليصل بهم أشعب، فقال أشعب: أوغير ذلك أيها الأمير؟ قال: وما هو؟ قال: لا آكل لحم جدي أبدا ... وهل يعيب التطفيل وينتقص المتطفلين إلا كل أحمق مأفون ... إن التطفيل ثورة معوية حارة تلظى على المترفين ... ولكنها ثورة سلمية سائغة مقبولة متواضعة، كل سلاحها وجه وقاح وشيء من إراقة ماء الوجه ... على أنه لا يدعو هذا السلاح «إراقة ماء وجه» إلا أنا وأنت، أما رجال الفن ... أما من تدعوهم متطفلين، فلا يغدو ذلك في رأيهم أن يكون «تقاضي حق» من أناس قد أمعنوا في ترفهم، ولم يرضخوا للمحزومين بلماظة من حقوقهم:
28
يبيتون في المشتى ملاء بطونهم
وجاراتهم سغب يبتن خمائصا
29
ولحا الله أبا عمرة،
30
ولا أبعد غيره، إنه شر ما يمنى به المرء في دنياه، وما أفظع الإنسان إذا نقنقت ضفادع بطنه، وعض الصفر على شراسيفه بنابه وسنه.
31
أطعموا الجائعين أيها الناس، واتقوا صولة الإنسان إذا نال منه سعار الجوع، وإلا ثار ثائره عاصفا بكم بعد طول هجوع ...
| هوامش