AUTO (فصل: ما المتصوف ومن الصوفي؟)
أما المتصوف: فهو الذي يتكلف أن يكون صوفيا ويتوصل بجهده إلى أن يكون صوفيا، فإذا تكلف وتقمص بطريق القوم وأخذ به يسمى متصوفا كما يقال لمن لبس القميص تقمص، ولمن لبس الدراعة تدرع، ويقال: متقمص ومتدرع، وكذلك يقال لمن دخل في الزهد: متزهد، فإذا انتهى في زهده وبلغ وبغضت الأشياء إليه وفنى عنها، فترك كل واحد منهما صاحبه، سمى حينئذ زاهدا، ثم تأتيه الأشياء وهو لا يريدها ولا يبغضها، بل يمتثل أمر الله فيها، وينتظر فعل الله فيها، فيقال لهذا متصوف وصوفى إذا اتصف بهذا المعنى، فهو في الأصل صوفى على وزن فوعل، مأخوذ من المصافاة، يعني عبدا صافاه الحق عز وجل، ولهذا قيل: الصوفى من كان صافيا من آفات النفس، خاليا من مذموماتها، سالكا لحميد مذاهبه، ملازما للحقائق غير ساكن بقلبه إلى أحد من الخلائق.
وقيل: إن التصوف: الصدق مع الحق، وحسن الخلق مع الخلق.
وأما الفرق بين المتصوف والصوفى: فالمتصوف المبتدى، والصوفي المنتهى، المتصوف الشارع في طريق الوصل، والصوفى من قطع الطريق ووصل إلى من إليه القطع والوصل،
المتصوف محمل، والصوفى محمول، حمل المتصوف كل ثقيل وخفيف، فحمل حتى ذابت نفسه، وزال هواه، وتلاشت إرادته وأمانيه فصار صافيا فسمى صوفيا، فحمل فصار محمول القدر كرة المشيئة، مربى النفس، منبع العلوم والحكم، بيت الأمن والنور، كهف الأولياء والأبدال وموئلهم ومرجعهم ومتنفسهم ومستراحهم ومسرتهم، إذ هو عين القلادة درة التاج منظر الرب.
والمريد المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه وخلق ربه ودنياه وأخراه، متعبد لربه عز وجل بمفارقة الجهات الست والأشياء وترك العمل لها وموافقتها، والقبول منها وتصفية باطنه من الميل إليها والاشتغال بها، فيخالف شيطانه، ويترك دنياه، ويفارق أقرانه وسائر خلق ربه بحكمه عز وجل لطلب أخراه، ثم يجاهد نفسه وهواه بأمر الله عز وجل فيفارق أخراه، وما أعد عز وجل لأوليائه فيها من جنة لرغبته في مولاه، فيخرج من الأكوان فيصفى من الأحداث ويتجوهر لرب الأنام، فتنقطع منه العلائق