الباب الثالث
| في العلوم العقلية والفنون النظرية
وفيه ستة فصول: (1)
في آداب البحث والمناظرة. (2)
في المنطق. (3)
في العلوم الطبيعية والإلهية. (4)
في الفنون الرياضية. (5)
في الحكمة العملية. (6)
في الصناعة الطبية.
الفصل الأول
| في آداب البحث والمناظرة
هو علم يبحث فيه عن كيفية إيراد الكلام بين المناظرين، وموضوعه: الأدلة من حيث إنها يثبت بها المدعي على الغير، ومبادئه: أمور بينة بنفسها، والغرض منه: تحصيل ملكة طرق المناظرة لئلا يقع الخبط في البحث، فيتضح الصواب. وهذا العلم كالمنطق يخدم العلوم كلها؛ لأن البحث والمناظرة عبارة عن النظر من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب لا إلزاما للخصم، والمسائل العلمية تتزايد يوما فيوما بتلاحق الأفكار والأنظار، فلتفاوت مراتب الطبائع والأذهان لا يخلو علم من العلوم عن تصادم الآراء وتباين الأفكار، وإدارة الكلام من الجانبين للجرح والتعديل والرد والقبول، إلا أنه بشرائط معتبرة مشروط وبرعاية الأصول منوط، وإلا لكان مكابرة غير مسموعة، فلا بد من قانون يعرف به مراتب البحث على وجه يتميز به المقبول عما هو المردود. وفيه مؤلفات أكثرها مختصرات وشروح للمتأخرين، منها: آداب شمس الدين السمرقندي، وآداب عضد الدين الإيجي، والشريفية للسيد الشريف الجرجاني، وآداب طاشكبرى زاده. (1) مصنفات أهل الهند
أما مصنفات أهل الهند في آداب البحث والمناظرة، فأشهرها الرشيدية للشيخ محمد رشيد بن مصطفى العثماني الجونپوري المتوفى سنة 1083، وهو شرح الشريفية مقبول متداول في أيدي الناس تعليقا وتدريسا، ومنها الآداب الباقية للشيخ عبد الباقي بن غوث الإسلام الصديقي الجونپوري صنفه سنة 1060، وهو أيضا شرح الشريفية، ومنها الأبحاث الباقية شرح آخر على الشريفية للشيخ عبد الباقي المذكور، صنفه بأمر شيخه العلامة محمود بن محمد الجونپوري كما صرح به في خطبته، وأتى فيه بأبحاث دقيقة على الرشيدية للشيخ محمد رشيد المذكور، ومنها نور الأنوار للشيخ نور الدين جعفر بن عزيز الله المداري الجونپوري المتوفى سنة 1093، وهو في الرد على مباحث الأبحاث الباقية، ومنها الآداب الرسولية للشيخ عبد الرسول، ومنها حاشية الرشيدية للشيخ أمان الله بن نور الله البنارسي، ومنها الهدية المختارية للشيخ عبد الحي بن عبد الحليم الأنصاري اللكهنوي، وهو شرح العضدية صنفه سنة 1282، ومنها الآداب المعينية للشيخ معين الدين الحسيني الكاظمي الكروي مختصر بالفارسي، ومنها الآداب الصادقية للشيخ محمد صادق بن أبي البقاء الحسيني الجونپوري، ومنها حاشية على العضدية في المناظرة للشيخ محمد صادق المذكور، ومنها مبادئ المناظرة وأصول المناظرة مختصران بالأردو للمولوي تراب علي بن غلام علي بن نور الدين الصديقي الخان پوري البلندشهري.
الفصل الثاني
| في علم المنطق
المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، وموضوعه: التصورات والتصديقات؛ أي المعلومات التصورية والتصديقية، والغرض منه: عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر، ومنفعته: الإصابة في جميع العلوم؛ ولذلك سماه الفارابي برئيس العلوم وابن سينا بخادم العلوم.
وأصول المنطق تسعة على المشهور؛ الأول الكليات، والثاني التعريفات، والثالث التصديقات، والرابع القياس، والخامس البرهان، والسادس الخطابة، والسابع الجدل، والثامن المغالطة، والتاسع الشعر، وقد صح بشهادة أهل التاريخ أن أول من دون المنطق أرسطو؛ ولذلك لقب بالمعلم الأول، وقد بذل ملك زمانه في مقابلة ذلك خمسمائة دينار، وأدر عليه في كل سنة مائة وعشرين ألف دينار، ثم إن أرسطو بعد ما دون المنطق، صارت كتبه مخزونة في أبنية من ولاية موره من بلاد الروم، عند ملك من ملوك اليونان، ولما رغب المأمون الرشيد العباسي في علوم الأوائل أرسل إلى الملك المذكور وطلب الكتب، فلم يرسل، فغضب المأمون وجمع العساكر، وبلغ الخبر إلى الملك فجمع البطاريق وشاورهم في الأمر، فقالوا: إن أردت الكسر في دين المسلمين وتزلزل عقائدهم فلا تمنعهم عن الكتب، فاستحسن الملك فأرسلها إلى المأمون، فجمع المأمون مترجمي مملكته كحنين بن إسحاق وثابت بن قرة وغيرهما، فترجموها بتراجم مختلفة بحيث لا يوافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر، فبقيت التراجم غير محررة إلى أن التمس منصور بن نوح الساماني من أبي نصر الفارابي أن يحررها ويلخصها ففعل كما أراد؛ ولهذا لقب بالمعلم الثاني، وكانت كتبه في خزانة الكتب المبنية بأصفهان المسماة بصوان الحكمة إلى زمان مسعود، ولكن كانت غير مبيضة؛ لأن الفارابي كان غير ملتفت إلى جمع التصانيف ونشرها، بل غلب عليه السياحة.