تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعلم أن الشيعة الإمامية امتازت عن غيرها في إثبات الإمامة لاثني عشر رجلا من أهل بيت النبوة، وهم يشاركون الإسماعيلية في الستة ويخالفونها في السابع، فيقولون: إن الإمامة وصلت بعد جعفر بن محمد إلى ولده موسى بن جعفر المشهور بالكاظم ثم إلى ولده علي الرضا ثم إلى ولده محمد التقي ثم إلى ولده علي التقي ثم إلى ولده الحسن العسكري ثم إلى ولده محمد بن الحسن المهدي صاحب العصر والزمان، توفي أبوه وله ست سنين، فدخل سرداب الذي بسر من رأى وأمه تنظر إليه فلم يخرج إليها واختفى، وقد زعموا أنه يخرج في آخر الزمان فيملأ الدنيا قسطا وعدلا، وقد ظهرت دعوتهم في الهند في القرن الثامن، فأول من جاء بأرض الهند بذلك المذهب هو الشيخ علي الحيدري سكن بكنبايت من مدن گجرات، فأسلم على يده خلق كثير من أهل گجرات وتشيعوا كما في مجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري، وقد ذكره محمد بن بطوطة المغربي الرحالة في كتابه، قال: بلغ محمد شاه تعلق أن الحيدري دعا للقاضي جلال الدين الذي خالف السلطان بمدينة كنباية، وذكر أيضا أنه بايعه فأمر بقتله فقتلوه.

ثم جاء شمس الدين العراقي إلى كشمير سنة 892 فتشيع بدعوته بابا علي البحار، ورجع إلى العراق بعد ثماني سنين، ثم عاد إلى كشمير وتشيع بعض الأمراء الكبار وبنى موسى زينه خانقاها

3

كبيرا له بدار الملك، وبذل جهده في الدعوة وقتل الناس، وأخرج بعضهم إلى بلاد أخرى، وكذلك أكره كفار الهند على التشيع حتى قيل إن أربعا وثلاثين ألفا من الهنادك تشيعوا فضلا عن المسلمين.

ثم لما تغلب يوسف عادل شاه على بيجاپور من بلاد الدكن - وكان شيعيا - خطب للأئمة الإثني عشر سنة 908، ودعى الناس إلى مذهبه، وهو أول ملك من ملوك الهند خطب للأئمة ببلاد الهند وروج ذلك المذهب. ولما تغلب سلطان قلي الهمداني المشهور بقطب شاه علي تلنگانه من ممالك الدكن واستقل بالملك سنة 918، دعا الناس إلى مذهب الشيعة الإمامية وخطب للأئمة الإثني عشر في بلاده.

وجاء الشيخ طاهر بن الرضي الهمداني بذلك المذهب وتقرب إلى برهان نظام شاه الأحمد نگري، ولقنه الولاء والبراء فتشيع برهان نظام شاه سنة 944ه، وتشيع معه ثلاثة آلاف نفس من رجاله، فأخرج أسماء الخلفاء الثلاثة من الخطبة، ووظف اللاعنين عليهم، وأمر الناس أن يلعنوهم على رءوس الأشهاد، وشاع ذلك المذهب في جميع بلاد الدكن سريعا.

ثم دخل الهند القاضي نور الله التستري أيام أكبر شاه الدهلوي فولي القضاء بلاهور، وكان يخفي مذهبه تقية ويقنع على التدريس والتصنيف والإفتاء على المذاهب الأربعة من أهل السنة والجماعة، حتى فشا أمره وتصلبه في المذاهب في أيام جهانگير بن أكبر شاه، فغضب عليه السلطان وأمر أن يضربوه بالسياط، فمات بها، وله مصنفات كثيرة في المذهب.

ثم من ذلك الزمان كانت الشيعة الإمامية متفرقين في بلاد الهند، ليست لهم دعوة إلى مذهبهم وما كانت لهم جامعة تجمعهم، فنهض الشيخ محمد علي الشيعي الفيض آبادي أيام آصف الدولة أمير بلاد أوده وحرض الولاة على أن يجمعهم في الصلوات وألف رسالة في ذلك الباب، وحرض الشيخ علي أكبر الحسيني الصوفي الفيض آبادي حسن رضا خان الوزير الشيعي على إقامة الجماعة في الصلوات فرضي به آصف الدولة المذكور، وأقام الجماعة بأمره السيد دلدار علي بن محمد معين الحسيني النصير آبادي، وكان ذلك في الثالث عشر من رجب سنة 1200 بمدينة لكهنو، ثم بذل جهده في إحقاق مذهبه وإبطال غيره لا سيما الحنفية والصوفية والأخبارية، وصنف كتبا في ذلك، أشهرها عماد الإسلام في مجلدات كبار، حتى كاد أن يعم مذهبه في بلاد الهند ويتشيع كل من الفرق.

وكان آصف الدولة وأخلافه يبذلون العطايا وإقطاع الأرض على المتشيعين، فتشيع كثير من الناس طوعا وكرها، وكانت فتنة عظيمة بين الناس، وصنف الشيخ عبد العزيز بن ولي الله المحدث الدهلوي كتابه المشهور تحفة اثنا عشرية، وصنف الشيعة في الرد عليه كتبا كثيرة، منهم السيد دلدار علي المذكور، فإنه صنف صوارم الإلهيات من التحفة، وحسام الإسلام في الرد على باب النبوات منها، وإحياء السنة في رد باب المعاد منها، وذو الفقار في رد باب الولاء والبراء من ذلك الكتاب، وصنف رسالة مستقلة في إثبات الغيبة لصاحب العصر والزمان ردا على التحفة، ومنهم السيد محمد بن دلدار علي النصير آبادي فإنه فاق والده في الرد على أهل السنة والجماعة، له كتاب البوارق في مبحث الإمامة بما اشتمل عليه التحفة، وكتابه طعن الرماح في مبحث فدك والقرطاس مما اشتمل عليه التحفة، والصمصام القاطع في إبطال مذهب أهل السنة والجماعة وإثبات عداوتهم لأهل البيت، وثمرة الخلافة كتاب له في إثبات أن الخلافة كانت مثمرة للشهادة، وكتابه البرق الخاطف في باب عائشة الصديقة - رضي الله عنها، وكتابه الضربة الحيدرية في الرد على الشوكة العمرية، وكتابه سم الفار في الرد على أهل السنة، وله غير ذلك من الكتب.

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ٨٥