فكان أهل الهند من سالف الزمان على مذهب أبي حنيفة، غير السواحل من بلاد مدراس ومليبار والكوكن، فإنها كانت موردا ومشربا لأهل اليمن والحجاز، وإنهم كانوا على مذهب الشافعي، فبقوا على ذلك المذهب إلى اليوم. وأما المالكية والحنابلة فليس لهم عين ولا أثر في أرض الهند إلا من جاء منهم على سبيل التجارة أو لغرض آخر.
ثم حدث قوم من بينهم في هذا القرن، فإنهم رفضوا التقليد بالمذاهب المذكورة، وتمسكوا بالكتاب والسنة، فمنهم من سلك مسلك التوسط بين الإفراط والتفريط، وذهب إلى أنه لا يجوز تقليد شخص معين مع تمكن الرجوع إلى الروايات الدالة على خلاف قول الإمام المقلد (بالفتح)، والتقليد المطلق جائز والإلزم تكليف كل عامي، وهذا مذهب الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي وحفيده إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله، وأكثر أتباع سيدنا الإمام أحمد بن عرفان بن نور الشهيد السعيد. ومنهم من ذهب إلى حرمة التقليد، ووجوب الاتباع بصرائح الكتاب والسنة، وإبطال حجية القياس والإجماع، وهذا مذهب الشيخ فاخر بن يحيى العباسي الإله آبادي والشيخ نذير حسين بن جواد علي الحسيني الدهلوي والسيد صديق حسن الحسيني القنوجي وأتباعهم، ومنهم من سلك مسلك الإفراط جدا وبالغ في حرمة التقليد، وجاوز عن الحد، وبدع المقلدين، وأدخلهم في أهل الأهواء ووقع في أعراض الأئمة، ولا سيما الإمام أبي حنيفة، وهذا مسلك الشيخ عبد الحق بن فضل الله البنارسي والشيخ عبد الله الصديقي الإله آبادي وغيرهما.
ولهم في ذلك مصنفات كثيرة، كدراسات اللبيب للشيخ معين بن أمين السندي، وقرة العينين للشيخ فاخر المذكور، وتنوير العينين للشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي المذكور، ومعيار الحق للسيد نذير حسين المذكور، واعتصام السنة وغيره من الكتب الكثيرة للشيخ عبد الله الإله آبادي المذكور، والجنة في الأسوة الحسنة بالسنة للسيد صديق حسن المذكور، وله كتب أخر في هذا الباب، ولغيره من العلماء مصنفات شهيرة لم نذكرها خوفا للإطالة، وللسيد صديق حسن المذكور كتب في فقه الحديث؛ منها: مسك الختام شرح بلوغ المرام، وبدور الأهلة، ودليل الطالب، وهداية السائل، وفتح المغيث، والنهج المقبول، والعرف الجادي، وغير ذلك.
وأما المقلدون من الأحناف فهم على طائفتين؛ منهم من يسلك مسلك التحقيق والإنصاف، كالعلامة عبد العلي بن نظام الدين اللكهنوي، صاحب رسائل الأركان، والشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكهنوي صاحب التعليق الممجد، ومنهم مقلد جامد مجادل، كالشيخ فضل رسول الأموي البدايوني وأتباعه.
أما الكتب المصنفة في الفقه الحنفي فهي على طبقات؛ الأولى: الكتب التي تسمى ظاهر الرواية، وهي المبسوط والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير، وهي الكتب الستة لمحمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، والثانية: النوادر، وهي الكتب لمحمد غير ما ذكرناها، كالكيسانيات، والأمالي المروية عن أبي يوسف، وكتب للحسن، وابن سماعة، والمعلى بن المنصور، وغيرهم، والثالثة: الواقعات، وهي كتب في المسائل التي استنبطها المتأخرون لما سئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية كالنوازل لأبي الليث، ومجموع النوازل، والواقعات للناطقي، والواقعات للصدر الشهيد، والرابعة: الفتاوى التي جمعها المتأخرون، فإنهم جمعوا هذه المسائل مختلطة كفتاوى القاضي خان، والخلاصة، والظهيرية، والخامسة: الكتب المؤلفة للمتأخرين جمعوا فيها مسائل الرواية والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ، واقتصروا على ما اعتبر عندهم من المسائل كالوقاية، والكنز، والمختار، ومجمع البحرين، والقدوري، ولها شروح كثيرة كالهداية للمرغيناني، والدر المختار للحصكفي وغيرها، ثم لها حواش نادرة كفتح القدير لابن همام، ورد المختار لابن عابدين. (1) مصنفات أهل الهند في الفقه