تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرأيت إذن يا سيدي أنك هنا تخرج من الموضوع معتمدا على بلاغة عبارتك وما تستنصره من التاشيستوسقوب ومن أقوال العلماء؟

إن التاشيستوسقوب (أو التاكيستوسكوب) لفظ أجنبي مديد البناء، لا يدرك معناه من لا يعرف إلا العربية، بل لا يدركه من يعرف الفرنسية وغيرها ولا يكون من الاختصاصيين. إن قارئه من هؤلاء وهؤلاء لا يناله منه إلا الانذعار والاستهوال، ولا سيما من لا يعرف غير العربية؛ لأنهم علموه أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالشقنداف عنده أوسع معنى من الشقدف ومن الشقداف. والتاشيستوسقوب أزيد من الشقنداف حروفا، فهو لا يراه إلا غولا من أضخم الغيلان. أفلم يكن في وسع سيدي أن يتجاوز عن ذكره حتى لا يرعب الناس؟ (3) أما ما تفيض فيه يا سيدي من أن الكتابة العربية، بما فيها من كثرة الأعمدة المرتفعات عن أصل كتلة السطر، تبقى - عند الابتعاد عنها - ظاهرة يتبينها النظر، بعد اختفاء الكتابة اللاتينية التي من مقاسها، فإنه - مهما يكن صحيحا - لا فائدة فيه. اللهم إلا إذا أثبت لي أن دقة الحروف اللاتينية واستخفاءها على النظر قد منعا أهلها من مزاولة العلم والفن والأدب، ومن بلوغهم في جميعها أرقى الدرجات. وأنت لا تستطيع إثبات ذلك، فقولك إذن لا طائل من ورائه.

خامسا:

تقول: كلا إن فائدة ذلك حفظ النظر من الضعف؛ فإن خمسة وثلاثين في المائة من طلبة المدارس العالية بفرنسا مصابون بقصر النظر؛ لانكبابهم على مطالعة كتبهم غير الواضحة الحروف. كما أن العلماء قالوا: إن عدم وضوح الحروف يصد عن القراءة. هذا حاصل كلامك. فاسمع - غير مأمور - كلامي:

لئن كان الطلبة الفرنسيون أصيبوا بقصر النظر، فلا بد أن يكون أمثالهم في جميع البلاد التي تكتب باللاتينية قد أصيبوا به كذلك. وأنا يا سيدي لا أرى - أنا ولا غيري من المصريين - أثرا لهذا عندنا.

في مصر بنوك متعددة، وشركات كبرى كثيرة، ومدارس للأجانب، تزاول أعمالها باللغات الأوروبية، وفيها كليات العلوم والهندسة والطب بفروعه جارية فيها الدراسة بالإنجليزية المكتوبة بالحروف اللاتينية. ولم نحس أن عمال تلك البنوك والشركات وتلاميذ تلك المدارس وطلبة تلك الكليات مصابون في نظرهم، دون غيرهم من الناس، أو أكثر من غيرهم من الناس، بالقصر ولا بغيره من الآفات. كما أن الإفرنج من جميع الأمم التي تكتب بالأحرف اللاتينية لم تصد تلك الحروف أنفس علمائهم وأدبائهم عن الدأب في التحصيل، ولم تمنع طلبتهم بعد أن يخرجوا من مدارسهم العالية، من أن ينقضوا هم وأبناء جلدتهم علينا كالبزاة والعقبان، حداد المخالب، أصحاء الأحداق، ولا من أن يخوضوا غمار المعارك الدموية في البر والبحر والجو، أقوياء القلوب مسلمة أعينهم وأبدانهم من العلات. أفسحر هذا؟ أم أنهم من غير طينتنا البشرية؟ أم أن هذا المحذور الذي تضخم من شأنه هو أمر واه لا يؤخر الأمم العاملة في شيء؟ أظنك قد لا تمانع في أن الفرض الأخير هو الصحيح، وفي أن حبك للرسم العربي وامتلاء مزاجك به، هو الذي يدفعك إلى التغالي في تسويء الرسم اللاتيني، وإلى القول بأنه يرمد الأعين ويصد النفوس عن التحصيل، مخالفا في هذا ما أشاهده من آثاره في أهله، أنا وأنت وغيرنا من الناس.

ليت طلبتنا في الشرق يرمدون كطلبة الغرب، ونفوسنا في الشرق تنصد عن القراءة كأمم الغرب، إذا كان ذلك الرمد وهذا الانصداد يحلاننا المحل الذي يتبوءه الأوروبيون من العلم والفن وصحة العيون وسلامة الأبدان!

سادسا:

أما ما تنتهي إليه من القول بأن الحروف العربية أصلح الحروف لتأدية ما للغتنا من النغمات، فإن بعض مدلول قولك هذا يا سيدي حق لا ريب فيه. وهو ما رجع إلى النغمات الخصيصة بالعربية. وإني ما عارضت في هذا قط.

14

أما البعض الآخر الراجع إلى النغمات المشتركة بين العربية وبين غيرها كالباء والتاء والدال والسين وما أشبهها، فإن الأحرف اللاتينية لا تقل عن العربية صلاحية في تأديتها.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٥٠