لنترك هذا الكلام العام، ولنحصر القول في الرسم العربي بوجه خاص. فهل يرى السيد أن اتجاه الأقدمين فيه كان إلى الاختزال؟ كلا، ثم كلا. إن العرب ضاقوا أشد الضيق برسمهم الاختزالي السخيف، وهذا معنى متسع يجيش بالصدر، وليس في الناس أحق منك ومن أهل العراق بسماعه، ولا أقدر منكم على فهم ظاهره وخافيه، والاقتناع بأنه حق لا ريب فيه.
أليست دجلتكم تتحدر من جبال أرمينية؟ أولستم أعلم الناس بأنه وقت فتح ذلكم الإقليم تخالف جنود المسلمين في قراءة القرآن وكاد بعضهم يكفر البعض، وأن عثمان بن عفان لما بلغه الخبر خشي سوء العاقبة فسارع إلى جمع القرآن وإرسال نسخه للأمصار؛ لتكون هي الثبت الذي يرجع إليه، وقد جعلها في كل جهة تحت مراقبة الحفاظ المتدينين المأمونين، الذين عليهم المعول في رواية هذا المصدر الأساسي للدين؟ تلك حادثة أولى يدونها التاريخ. فقل لي ما مبعث هذا التخالف؟ هل النعرة فيمن حضر الفتح من قبائل العرب حملت كل قبيل على أن يخترع قرآنا، وتعصب كل قبيل لقرآنهم، فكان التخالف وكانت المشادة ووشك التكفير؟ قطعا لا، أنزل القرآن نفسه متغاير الآيات بعينها، في السورة الواحدة بعينها، متخاذل المعاني في تلك الآيات؟ قطعا لا أيضا. إذن لم يبق من مبعث للشر إلا سبب واحد؛ هو سوء رسم العربية. لقد كان القراء قليلين، والكتاب أقل من القليل، والرقاع أندر من الندرة. فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سورة، حرصت عليها، وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه. وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالا مما هو الآن؛ لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة - حتى برسمها القاصر السخيف - إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحا على مصراعيه. ويكفي أن يكون للألفاظ - بعد تصحيفها - معان تتلاءم قليلا أو كثيرا، حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصب لها.
أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ فهل لا زلت مصرا على رأيك من مزية اختزال رسمنا العربي وكونه قابلا لزيادة الاختزال؟ إن كنت لا زلت على هذا فالأمر - في حماية الفصحى - لله.
على أن عثمان إذا كان له عند الله وعلى المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن عمله لم ينحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف حتى على قاعدة الرسم العربي السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين. وهو في ذاته علاج واهن ضئيل، ألا ترى أن المسلمين استمروا ضائقين خائفين من التصحيف، وأنه لم يمض إلا قليل حتى قام الحجاج بن يوسف - وكان عندكم بالعراق عاملا لعبد الملك بن مروان - فعمل على تنقيط الحروف في كلمات القرآن؟ وهذه حادثة ثانية يرويها التاريخ. ولم يبعث عليها مزية اختزالية رسم القرآن، بل الباعث هو ضرر هذه الاختزالية الموقعة للناس في الضلال، وضرورة الإيضاح والتبيين.
لم يمض بعد إلا قليل حتى كانت التجاريب المتعبة التي قام بها السلف، ومنهم الخليل بن أحمد، قد انتهت بوضع الشكل توضيحا لرسم حركات الحروف في كلمات القرآن وغير القرآن. وهذه حادثة ثالثة يرويها التاريخ، وليس لها من مبعث سوى ضيق الناس بانبهام طريقة النطق بكلمات القرآن وغير القرآن، ووجوب توضيح هذه الطريقة منعا من الوقوع في خطر التصحيف.