ينقل المحاضر تلك العبارة ثم يقول إنها إذا صدقت فيما يتعلق باللغات الأوروبية ونحوها، فإنها تقابل بالريبة فيما يتعلق بالعربية. ثم يترك استدراكه هذا المتعلق بالعربية مجملا صامتا، مع أن هذه النقطة هي لب لباب الموضوع الدائر فيه الكلام.
إن حضرة المحاضر إن كان يعني الكتابة العربية مشكولة بالدقة بالشكل المعروف كتشكيل القرآن، فكلامه حق لا جدال فيه. أما إن كان يعني الكتابة العربية مرسلة من غير شكل أو بشكل ناقص، فكلامه هو الذي يقابل بكل ارتياب؛ ذلك بأن تلك العبارة المروية عن دائرة المعارف البريطانية قد قيدها واضعها بقوله: «ولا سيما الحركات»، فمراده - إذا صدق ظني - أن كل نغمة صوتية يجب أن تكون محركة في الاتجاهات المختلفة من ضم وفتح وكسر وإمالات متنوعة؛ أي إن الكتابة المثلى ما تكون رسومها دالة في آن واحد على نغماتها وعلى اتجاهات نغماتها؛ أي على حركاتها.
والظاهر أن المحاضر إذ وجد استدراكه لا يتمشى على إطلاقه، بل هو استدراك غير صحيح فيما يتعلق بالرسم العربي الخالي عن الشكل أو المشكول شكلا ناقصا؛ لفقدان دليل الحركات فقدانا كليا في الحالة الأولى، ولقصوره في الثانية؛ إذ وجد استدراكه مختلا هذا الاختلال؛ فقد أتى به دعوى مجملة ممسكا عن البيان في هذا الموقف المقتضي للبيان، ومكتفيا في معرض الاعتذار عن التهرب من البيان، بقوله عقب ذلك الاستدراك: «وليس هذا من صميم موضوعنا»! كأن للموضوع صميما آخر غير هذا الصميم. أخشى أن يقال إن حضرته إذ أمسك عن الكلام في هذا الموضوع وطفر إلى الكلام عن اللغات الأجنبية، فإنما يكون أراد الاعتماد في تسويغ عباراته لا على التأثير المنطقي، بل على التأثير الخطابي ليس غير. والأدلة الخطابية ليست هي التي تنتظر من العلماء.
ترك المحاضر البيان - كما ترى، مع شدة الحاجة إلى البيان - ثم طفر في أقل من لمح البصر - كالذي عنده علم من الكتاب - طفر من مصر إلى أوروبة فأخذ يذكر - تهوينا لسوء رسم العربية - أن اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية فيها كثير من حروف جوهرية تترك غير منطوق بها، وفيها حروف حركات كثيرة توجه الكلمات توجيهات مختلفة، بل فيها حروف جوهرية ينطق بالحرف منها على نغمتين مختلفتين، وضرب لهذا بعض الأمثال. ثم قال إن أولادنا الذين يتعلمون الإنجليزية مضطرون لحفظ الكلمات الشاذة التي لا يجري فيها النطق على أصل القياس.
وكل هذا الذي يقوله حضرة المحاضر قد سبقه غيره من الفضلاء به وبأمثاله من قبل، وقد بينت وجه الخطأ فيه.
7
وهنا أوضح أنا بالإجمال ما لم يرد حضرة المحاضر الإقرار به وإيضاحه لا بالتفصيل ولا بالإجمال. ألفت نظره ونظر غيره:
أولا:
إلى أن الكلام هو في رسم لغتنا العربية الذي ضقنا به وأحسسنا بضرورة إصلاحه، فإذا كان في رسم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما عيوب يصبر أهلها عليها ولا يتجهون لإصلاحها، فليس لأحد حق في أن يقول لنا كفوا عن إصلاح شأنكم؛ لأن لكم أسوة بأهل تلك اللغات. وهل سمعت أن أناسا تبلغ بهم الجرأة لأن يقولوا للمريض لا تطلب العلاج ومت بدائك ما دام كثير ممن هم مرضى مثلك يموتون بدائهم ولا يطلبون له العلاج؟ لكن حضرة المحاضر يعطي نفسه هذا الحق الجريء الذي لم يمنحه له الله، ولم تخوله إياه بيئة العلم التي يعمل فيها، بل ولا ورقة الدكتوراه التي بيده، بل ولا يسيغه العقل الإنساني الساذج البسيط.
وثانيا:
إلى أن أولادنا إذا استطاعوا حفظ شواذ الإنجليزية أو الفرنسية، فمن المستحيل عليهم حفظ شواذ العربية؛ لأن كل كلماتها طلاسم شواذ؛ لعدم وجود حروف الحركات التي يشير حضرته في صدر عبارته إلى أن الكتابة المثلى هي ما تدل عليها فيما تدل. فكلام حضرة المحاضر متخاذل ينقض أوله آخره.