وفوق هذا فإني أشرت في اقتراحي إلى وجوب كتابة الأسماء والضمائر والأفعال والحروف منفصلا بعضها عن بعض بقدر الإمكان. وبهذه المثابة متى تخلصت الكلمات من التصاق جملة منها في هيكل واحد، كان ذلك أنفى لفكرة الضلال في معرفة أصولها.
إذن فالاعتراض من هذه الناحية أيضا واه، وأساس وهيه تحكم العادة على ما هو ظاهر. وكل نظر أمه العادة فهو أبدا خداع.
من أعجب ما يكون أن حضرة المعترض يغمض عن أن حروف الحركات اللاتينية لا شأن لها بباقي الحروف في الكلمة من أصل وزوائد صرفية، وعن أن الشكل أفلس إفلاسا ذريعا صرخ منه المختصون وهم أساتذة العربية بالمدارس، وأولهم الجارم بك الذي كان من كبار مفتشي العربية بالمدارس ثم وكيلا لدار العلوم، ويغمض عن أن سوء رسم العربية صرخ منه وزيران للمعارف كاتبان أديبان؛ هما بهي الدين بركات باشا ومحمد حسين هيكل باشا، وعن أنه تقرر رسميا في لائحة المجمع اللغوي أن من مهمته النظر في أمر تيسير الكتابة العربية؛ بحيث يستطيع الناس قراءتها بلا لحن ولا غلط، وعن أن هذا التقرير لم يكن ليقع لو أن «الشكل» أدى وظيفته ولم يفلس، يغمض عن كل هذا ويقصر تشبثه على أمر كان غيره من رجال العربية أخلق منه بالاقتصار عليه. إنه يقول ما حاصله:
العيب لا يرجع إلى رسم الكتابة، بل إلى جهل القارئ بأصول العربية وقواعدها، ولو أنه كان عارفا بهذه الأصول والقواعد لما أخطأ في قراءة الرسم العربي بل لأداه أداء صحيحا.
حضرته بهذا الاعتراض - الذي سبقه به غيره - يذكرنا بما كنا نسمعه من أن أعرابيا من الأقحاح في الزمن الأول أراد مسلم تلقينه سورة تبت يدا أبي لهب وتب فلما قال الملقن: تبت يدا مقطعا الجملة حتى يسهل على الأعرابي تلقنها، أبى الأعرابي إلا أن يقول: «تبت يدان.» فلما وصل الملقن المضاف بالمضاف إليه تابعه الأعرابي قائلا: نعم هكذا يكون الكلام.
حضرة المعترض لم يبلغه أن بيننا وبين أمثال ذلك الأعرابي أكثر من ألف سنة. ولم يبلغه أن الحال تغير لدرجة اضطرت وزارة المعارف وكل رجال التعليم ومنشئ المجمع اللغوي إلى أن يجعلوا من أهم أغراضهم تيسير رسم الكتابة العربية. ليت أهلنا جميعا كانوا كذلك الأعرابي! أو ليت في الاستطاعة تعليمهم أصول العربية وقواعدها حتى يبلغوا درجته، أو على الأقل درجة حضرة المعترض! نذر علي يا سيدي أني في ذلك اليوم أقدم شمعة للسيد البدوي، ومثلها للست الباتعة، وأخرى لسيدنا الحسين! ولكن يظهر أني لن أغرم شيئا لهؤلاء الأولياء؛ فإنهم - رضي الله عنهم وعنك - لا يملكون لي في هذا السبيل نفعا ولا ضرا، ولا تقديما ولا تأخيرا. أنت يا سيدي تحلم، الموضوع الجاري فيه الكلام هذه الأيام، هو موضوع تيسير رسم الكتابة العربية، لا تيسير أصول اللغة وقواعدها، فكل كلامك الذي أجهدت نفسك فيه، وتوهمت أنه مفيد، هو خارج عن الموضوع وذاهبة به الريح.
في غضون الاعتراض شردات ثانوية من لواحق ما لخصته لك قبل ورددت عليه، وإني أسامح حضرة المعترض في تجاوزه الحد فيها، وأرجو له من الله الغفران والتوفيق.
الحادي والعشرون:
أهم ما شغل مؤتمر المجمع
في دورة هذا العام النظر في علاج لنقص الرسم العربي، ولقد تزاحم لديه مذاهب ثلاثة تستبق جميعا لهذه الغاية. أحدها يرى أربابه، وهم كثيرون، سد هذا النقص الطبيعي برداء من جلد القنفد الشائك أو من سلخ الأخطبوط، يلصق بالغراء على بشرة المريض فتبرأ علته بإذن الله. والعقل والحس يقضيان بألا شيء من جلود القنافد ولا سلوخ الأخطبوطات بناجع؛ لأن المرض راجع إلى أصل الخلقة الحسية، فكل لزقة تتصل بها لا تكون إلا من قبيل زيادة التشويه ومعالجة الداء بشر من الداء. والثاني يرى أن العلاج حاضر وهو «الشكل» المعروف الآن، ويقول أربابه إن هذا الشكل إذا كان مشوشا للكلمات عند استيفائه على كل الحروف، فإن القليل منه، الضروري لإزالة اللبس، كاف لشفاء العليل. والثالث مذهب هائج ثائر يغير الخلقة ذاتها، ويتخذ للرسم مثلا أجنبيا بعيدا عن المثال العربي بعدا تاما؛ وذلك في صورة اليأس المطلق من العثور على علاج له من جنسه.