تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وبينت (في فقرة 68) أنه يحزنني اطراح الحروف العربية والاستعاضة عنها بالحروف اللاتينية، وأن ضرورة المحافظة على كيان العربية هي التي تضطرني لهذا الاقتراح البغيض.

وعباراتي في تينك الفقرتين مكتوبة بالعربية لا بالصينية ولا بالهيروغليفية، ومفهومها أن الحروف ليست بذاتها محلا للحب ولا للكره، وإنما هي تستحسن إذا وفت بالغرض منها فيحتفظ بها، وتستقبح إذا قصرت عن هذا الوفاء وعجزت كل حيلة عن علاج قصورها فتطرح وترمى في سلة المهملات.

| المطلب الثاني

12

قام على رأيي كثير من الاعتراضات وصل إلى علمي منها اثنان وعشرون سأذكرها لك فيما يلي، مردفا كلا منها بردي عليه. وقد صغت هذه الاعتراضات صياغة عربية تحريت فيها دقة التعبير عن مراد بعض المعترضين الذين قصر لسانهم أو قلمهم عن الإبانة بوضوح. وإذا لاحظت في ردودي شيئا من التكرار، فعلته أولا: أن كل اعتراض كنت أدون ردي عليه بمجرد وصوله إلى علمي. وثانيا: أن هذه الاعتراضات متداخل بعضها في البعض، وقد حرصت على أن يكون كل رد مواجها لكل اعتراض، وأن يكون مستقلا برأسه، حتى يسهل على كل معرفة جوابي عليه.

الأول:

قيل إني أريد نبذ العربية ذاتها،

أو أن أستبدل لهجة عامية بالفصحى.

قال هذا من القوم كبار وصغار، وهو كما ترى اختلاق صبياني سخيف.

الثاني:

قيل إن الحروف اللاتينية لا

تؤدي كل ما في العربية من النغمات، فهي تحيل الحاء هاء، والصاد سينا، والضاد دالا ... إلخ.

وموردو هذا الاعتراض إما أنهم لم يقرءوا بياني ولم يعرفوا كيف لاحظت هذا الذي يعترضون به، وكيف عالجته، فهم معذورون. وما عليهم سوى أن يقرءوا البيان، فإنهم يجدون (في الفقرات من 28 إلى 39) ما يسقط اعتراضهم ويردهم من هذه الناحية مطمئنين. وإما أنهم قرءوا ولكنهم متعنتون، والمتعنت مراء شغاب لا يستأهل الخطاب.

الثالث:

يقولون إن اتخاذ الحروف

اللاتينية يقطع بين الخلف والسلف، ويحرم الخلف من الانتفاع بآثار السلف في العلوم والفنون والآداب.

وهذا الاعتراض قد استثرته أنا نفسي في فقرة 25 من البيان، وهو اعتراض جدي وجيه، لكنه كالطبل يطن وجوفه خلاء. إن علاجه مالي بحت، وكل ما كانت ديته المال فهو من الهنات الهينات، مليون من الجنيهات أو مليونان على الأكثر أو ثلاثة ملايين مع شدة الإسراف في التقدير، تصرفها الحكومة لا دفعة واحدة في سنة واحدة، بل على التوالي في بضع سنين، فتطبع لك كل أمهات معاجم اللغة، وكل المهم من كتب الآداب منظومها ومنثورها، وكل المهم من كتب العلوم والفنون إن كان عندنا منها مهم. والإغضاء عن هذا العلاج المالي الميسور، ثم اللجوء إلى تصعيب الأمر والتخويف من عواقبه، لا يراه العاقل إلا ضربا من التعاجز والتباكي لمجرد الإيهام واستبقاء اللغة المسكينة تتكمش في ثوبها الخلق الذي كله تنكير وتبهيم وإضلال.

واجه الحقائق، ولا تصدق الخالين الذين يخيلون إليك الحبة قبة. ارجع إلى كليات العلوم والطب والصيدلة والهندسة والزراعة والحقوق، وهي عندنا معاهد العلم الصحيح الذي عليه الاعتماد في إنهاض البلاد، ثم ارجع إلى مدارس الصنائع والفنون، وإلى معاهد الفنون الجميلة من موسيقى ونقش وتصوير. ارجع إليها وسل أساتذتها المصريين، فإنهم جميعا ينبئونك أن الدراسة في كلياتهم ومعاهدهم قائمة على علم الأوروبيين وفن الأوروبيين وكتب الأوروبيين، وأن خيارهم إنما هم أولئك الذين بعثتهم الحكومة لأوروبا وأمريكا فدرسوا هناك صنوف العلوم والفنون، ثم عادوا يعلمونها المصريين. كما يقولون لك إننا - نحن العرب - إذا كنا في زمن حضارتنا عالجنا شيئا من المسائل العلمية، مما فضلنا فيه معترف به من العدو قبل الصديق، فإن ذلك إنما كان قدرا جزئيا ضئيلا لا يسمن الآن ولا يغني بالإضافة إلى ما وصل إليه الأوروبيون، وإن أي كتاب عربي علمي قديم إذا اقتناه أحدنا الآن، وقلما يقتنيه أحد؛ فإن ذلك لا يكون إلا لمجرد الموازنة بين العلم في طفولته وبينه في دور الاكتمال. هذا ما تسمعه من أولئك الأساتذة العلماء، منه تعرف أننا الآن في العلم والفن عيال على الأوروبيين لا على أسلافنا الأولين. كما تدرك أن بعضهم إذا كان يلذ جمع المشرقيات العربية من قديم الكتب وقطع الفنون، فإن سواد الأمة لا حاجة بهم إلى مثل هذه اللذاذات، بل يكفيهم أن تحفظ لهم في دور الكتب والآثار الحكومية العامة يراجعها منهم من قد تصبوا أنفسهم للاشتغال بتاريخ مسألة من مسائل العلوم والفنون. وإن وجد بينهم من يريدون أن يجهدوا في هذا السبيل كما يجهد الأجانب من المستشرقين، فليجهدوا؛ فالبيئة بيئتهم، واللغة العربية لغتهم، ودور الكتب والآثار أقرب إليهم منها إلى أولئك المستشرقين.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ١٠