تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأرجو ألا تفهم من كلامي هذا أن الغناء في ذلك العهد كان جامدا لا يتحرك، واقفا لا يتقدم، عاتيا لا يلين لتلوين ولا تجديد، بل لقد كان مفتنا متلونا متجددا، ولكن في تلك الحدود التي رسمها الذوق العام، ولهذا كان التجديد يجري في لباقة ورفق، فلا ينشز على الأسماع، ولا تأذى به الأذواق، وناهيك بما صنع عبده الحمولي في هذا الباب، وما صنع جد كثير!

وكيفما كان الأمر، فلقد كان بين ذلك الغناء وبين الذوق المصري إلف وبينه وبين النفس ود، حتى لكأنه لاحق بالفطرة، موصول بالطبع!

الموسيقى الحديثه

والآن حق علينا أن نميل بالحديث إلى صفة الجديد، وكيف جاءنا هذا الجديد؟

لهذا الانقلاب العنيف في الموسيقى المصرية سببان:

أحدهما طبيعي، والآخر صناعي، أما الطبيعي فهو تلك الثورة التي زلزلت عندنا كل شيء، فلم تدع شيئا من العادات، والتقاليد، والأخلاق، وآداب السلوك، والأزياء، والفن والأدب، وغير ذلك من مظاهر حياتنا إلا ترجمته بقدر كبير، وجمهور الناس مهرول مغذ إلى تقليد الغربيين في كل جليل ودقيق ، فكان من الطبيعي أن يقلدوهم في موسيقاهم، كما يقلدونهم في غيرها من شئون الحياة.

أما السبب الصناعي، فقد انبعث في هذا البلد شاب موسيقي جمع إلى العلم بالفن رهافة الحس، ودقة الشعور، والقدرة القادرة على الابتكار والتجديد وأعني به المرحوم الشيخ سيد درويش.

كان المرحوم سيد درويش يلمح النبرة تقع في بعض التنغيم الأجنبي، شرقيا كان أو غربيا، فيدرك أنها مما لو سوي بعض التسوية لأمكن إدماجها في موسيقانا، ولكان لها حلاوة في الآذان وطرب للنفوس، وعلى ذلك أدخل على موسيقانا كثيرا من التناغيم الأجنبية وطبعها فيها، وسرعان ما تقبلتها الأذواق في غير قلق ولا نفور.

كذلك أراد - رحمة الله عليه - أن يترجم بالموسيقى عن بعض المحسوسات فتقدم، وكان علاجه لما عالج من هذا في غاية الرفق والتواضع، وكذلك قدر له فيما أراد النجاح، ويطوي الردى سيد درويش، ويطوف بالبلاد طائف ذلك الانقلاب العنيف، ويأبى الملحنون والمغنون إلا الموسيقى إفرنجية لا يشوبها شيء مما ألفت الآذان من قديم الزمان، وعلى ذلك راحوا يحاكون الموسيقى الغربية التي يسمعونها هنا وهناك، ولكن كيف يحاكونها ولا علم لأكثرهم الكثير بما تتكئ عليه هذه الموسيقى الإفرنجية من القواعد والأصول؟

يحاكونها بأن يبدءوا بصياح مثل صياحهم، ثم عدم الإذن للترانيم بأن تأخذ سمتها، بل المبادرة إلى ليها عن وجهها حتى تصك الأسماع صكا وتطير الأمزجة تطييرا، فإذا بلغت غاية الجهد من الاضطراب ذات اليمين وذات الشمال، وبين فوق وتحت، ووراء وقدام، وصلت بها صرخة تحكي ما يختم الموسيقى الغربية من الأذناب والأذيال، وكذلك تظن جمهرة ملحنينا ومغنينا أنهم يجيئوننا بموسيقى غربية لا يلحقها شك ولا ارتياب، وما شاء الله كان!

وبعد فأما تنكير النغم، وأما ليه عن وجهه، وأما الصراخ في أوله وفي آخره، فذلك مما لا يعنى على أحد؛ لأنه لا يحتاج إلى علم ولا صلة له بفن، ولا علاقة له بذوق، فإذا هو احتاج إلى شيء من فساد الذوق فذلك موفور والحمد لله!

ومن هنا كثر الملحنون في بلادنا كثرة أصبحت تجهد العدد ، فلا تكاد تسمع مغنيا حدثا أو مغنية ناشئة إلا قيل: إن هذه الأغنية من تلحينها أو من تلحينه، وكذلك رخص التلحين وأصبح ميسورا لكل من شاء!

وعلى هذا تفتحت آذان وكذلك استدرجت اسم الموسيقى الغربية أهواء، وأرى الغربيين إذ يكتب عليهم أن يسمعوها إلا أشد تأذيا بها منا نحن المصريين!

تلحين رخيص وموسيقى رخيصة وفن رخيص، أما التحزن والتفجع في هذه التلاحين، وأما التميع وشيوع التخنيث، فذلك ما نسأل الله السلامة منه للرجولة في هذه البلاد!

ولقد تقول للرجل من كبار الملحنين في ذلك، فيجيبك في خجل عظيم: وماذا نصنع، وهذه البضاعة هي الرائجة في سوق الغناء في هذه الأيام؟ وكذلك جعل هؤلاء الملحنون أنفسهم يتبارون في هذا التشويه، يجنون به عامدين على الفن وعلى الأذواق معا ما دام القوت يأتي من هذه السبيل!

قطوف البشري · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٩١