تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد هاجر هذا صاحبي إلى الريف فيمن هاجروا فرارا بنفسهم، أو على الصحيح، فرارا بولدهم، ثم انكفأ بهم إلى القاهرة بعد قضاء الأشهر الطويلة، ولقيته بعد مقفلة فإذا هو هزيل مغبر الوجه، فلم أشك في أنه قد لحقته علة فسألته عن حاله وما به فقص علي القصة التي سمعت آخرها وهاك أولها.

قال صاحبي - كان الله له: «هبطت القاهرة لألي بعض العمل وتركت ولدي في أتم خير وعافية، فرحين بعيش الريف الذي لم يعرفوه من قبل، وقضيت في مهبطي ليلتين اثنتين ثم عدت وقد حملت إليهم ما أقدرني الله عليه من التحف والألطاف، وكنت طول الطريق أتمثل لقاءهم، ورؤيتهم في هرجهم ومرجهم، وما عسى أن أدخل من السرور عليهم، فأجد لذلك لذة لا تكاد تعد لها لذة.

على أنني ما كدت أن أتخطى عتبة البيت؛ حتى رأيت جمودا لم آلفه ووجوما لا عهد لي به، فهرولت إلى السلم وما عرجت بعض الدرج حتى سمعت أنينا مؤلما يتخلله صراخ مزعج، فجعلت أطوي الدرج مثنى وثلاث، ثم انتهيت إلى مبعث الصوت فإذا صغرى ابنتي هي التي تئن وهي التي تصرخ، وإذا من حولها بين باك ينشج نشيجا عنيفا، وبين حاقن للبكاء إلا ما تنتضح به الجفون برغمه من قطرات الدموع، وبين واجم شديد الوجوم، وبين متحير العينين من شدة الذعر والهلع!

فسألت في جزع ولهفة عن الخبر، فأجابني من قوي على الكلام منهم: لقد شعرت الفتاة فجأة في أصيل أمس بآلام شديدة في الجنب الأيمن، فظن بادئ الرأي أن ذلك من أثر برد، وعلى ذلك عولجت بالعلاجات المنزلية المعروفة، حتى إذا تقدم الليل واشتدت عليها الآلام جئنا من الحاضرة بفلان، وهو طبيب مشهور فظل يعالجها ويحاول تخفيف آلامها، حتى انجلى عمود الصبح، ولم تخب البرح ولا خفت الآلام!

ورأيت المسكينة لا تطيق أن تسكن إلى وضع من الأوضاع، فهي تسأل أن يجلسوها فما تكاد تجلس حتى تصرخ، وتسأل إرقادها على الجنب الأيمن وسرعان ما تصرخ سائلة إرقادها على الأيسر وهكذا! وهي كلما أنت أحسست كبدي تذوب شعبة بعد شعبة، وينفطر سلاؤها قطرة بعد قطرة، فإذا صرخت أحسست قلبي يتوثب في صدري، كأنه كره تتقاذفها الصبية.

وهي تفتأ تستغيث بمن حولها واحدا بعد واحد؛ كأنها تظن أنهم قادرون على أن يرحموها مما تجد، ويدفعوا عنها هذا العذاب الأليم! وإنها لتستنجد بي فإذا بي أضرع إلى الله، وأسأله أن يحول ما بها إلي ثم أسرع فأستعيذ به تعالى من نزغ الشيطان، فالله أكرم وأبر وأرحم من ألا يدفع الأذى عن عبد من عبيده إلا إذا قذف به عبدا آخر، وأستغفر الله العظيم!

وتفترق جمهرة الأطباء الذين اختلفوا إليه، فمن قائل: إنه التهاب في المصير الأعور،

1

ومن ذاهب إلى أنه مغص في الكلية، ومن حائر متردد لا يقطع برأي ولا يرجح شيئا!

وأطمئن إلى الرأي الثاني طوعا لما قيل: إنه لو كان ثمة التهاب في المصير، لظهر من أعراضه كيت وكيت، وشيء من ذلك لم يظهر البتة.

وتعالج على هذا أياما وهي لا تزداد إلا برحا وآلاما.

وفي ذات ليلة من ليالي آخر الشهر سوداء فاحمة قد اشتد بردها، وللريح عزيف يزعج ويروع، أسرني الطبيب بأن لا بد من نقلها في الحال إلى الحاضرة؛ لإدخالها المستشفى فالأمر حق خطير؛ إذ لم يبق عنده ما جد من الأعراض الحادة؛ أي شك في صحة الرأي الأول، وأقول له: أليس في نقلها في مثل هذه الساعة وهي على هذه الحال، وفي مثل هذا الجو وقطعها أكثر من اثني عشر كيلومترا مجازفة؟ فأجاب: لا شك أنها مجازفة خطيرة، ولكن مبيتها هنا أشد خطرا!

وماذا عسى أن أصنع يا رب غير أن أطيع، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وأعد الذاهبون بها والذاهبات من الأهل عدتهم وجهزوا متاعهم ولم يبق إلا أن تحمل الفتاة المعذبة المذعورة إلى السيارة.

وحين أذن المؤذن بالرحيل، تغايرت في نفسي فنون من أعنف العواطف، منها ما ينطف رقة ورحمة ويترقرق جوى وإشفاقا، ومنها ما يشق الصدر من الأسى شقا، ويدق المنن من الجزع دقا، ومنها ما يتنظر لي بصور وأشباح تطير الألباب، وتمزق الفكر وتفقد الصواب أرسخ ذوي الصواب!

قطوف البشري · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٦٨