وطال الزمن على هذا ثم طال، وأخيرا يظهر أن القائمين على شأن هذا المعهد الحكومي قد عز عليهم أن يبقى ذلك المربع فذا بين سائر المربعات، فاستخاروا الله وكتبوا فيه: «ممنوع لصق الإعلانات.»
ولقد زعمت لك أن مصر قد برعت أمريكا فضلا عن أوروبا في فن الإعلان، واستنظرتك الدليل فهاكه الآن.
لعلك تعرف ولعلك لا تعرف أن الأطباء لا يعلنون عن شأنهم بأية وسيلة من الوسائل في بعض البلاد الأوروبية، ولا شك في أن هذا من الجهل بفن الإعلان الناشئ عن الجهل بفوائد الإعلان، فإذا أحلت الأمر على أن القانون في تلك البلاد يحظر الإعلان على الأطباء، فما كان عسيرا عليهم لو أرادوا السعي إلى إلغاء هذا القانون؛ ليفيدوا ما شاء الله من طيبات الإعلان.
أما عندنا ففوق إعلانات الأطباء والمحامين في الصحف السائرة وغير السائرة، فلقد ترى «اليافطة» الطويلة العريضة مرفوعة على ساريتين تطاولان السحاب، وهذه على جانب الشارع الرئيسي، ثم أخرى على مدخل الشارع الفرعي، ثم ثالثة على ناصية المنعطف، ثم رابعة على صدغ العمارة، وكلما انعطف بك السلم رفعت لبصرك «يافطة»، وهكذا حتى تبلغ باب العيادة أو المكتب، فإذا هو مرصع بجمهرة من «اليافطات»، المختلفة الأشكال والخطوط والأحجام.
ولا يبعد أن يتقدم فن الإعلان في بلادنا حتى يخترع شباكا سحرية تصطاد الزبائن، وتسحبهم في لطف ودعة، حتى نصل بهم إلى العيادة أو المكتب في أمان، وما شاء الله كان!
وأبدع من هذا وأبرع أن يعلن الطبيب أنه إذا لم يكشف عن المرض في 48 ساعة فقط، فإنه يرد إلى العليل ما دفع من النقود.
أرأيت مثلا أبلغ من ذلك في الكفاية والثقة بالنفس، والتمكن من الفن والقدرة المستيقنة على شفاء العلل، مهما تعاصت في 48 ساعة لا تزيد ولو دقيقة واحدة من الزمان؟
ولولا فضل الإعلان ما تسنى للذين ضربتهم العلل، وقست عليهم الأسقام وألحت الأوجاع والآلام أن يبرءوا من عللهم، ويتخلصوا من آلامهم وأوجاعهم في مثل هذا الزمن اليسير، والشفاء مكفول، وإلا فالمال مردود، وموفى غير منقوص.
ومن الآيات التي تشهد لمصر بالبراعة والفوقان في فن الإعلان، أنك ترى صاحب مصنع الأثاث مثلا، يجلو صورته هو بدل أن يجلو عليك صورة كرسي، أو سرير، أو ثريا، أو صندوق، أو منضد «ترابيزة»، فإن الإنسان، من غير شك، أكرم وأشرف من كل ما على وجه الأرض من صنع الإنسان، ثم إنه من غير شك أيضا، أحسن خلقا وأجمل شكلا من كل ما أخرجت مصانع الشرق والغرب من فاخر السرر والكراسي والصناديق والثريات والأنضاد، أليس قد قال الله تعالى في كتابه الكريم:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ،
1
صدق الله العظيم.
أما التبريز في العبقريات وإصابة غاية الغايات، ففي التفات صاحب المطعم عن أن يصور في إعلانه عن طعامه حملا مشويا، أو أرنبا بريا، أو ديكا روميا، أو سمكا طريا، أو طاجنا «فرنيا»، أو ثمرا جنيا، أو كامخا شهيا، أو نحو ذلك مما يزعمون أنه يبعث الشهوة إلى الطعام، ويحفز المعدة للازدراد والالتقام، بل تراه لا يلتفت في إعلانه عن هذا الكلام الفارغ، ويصور شخصه هو وعلى ثغره ابتسامة أحلى وأشهى من كل ما أنضجت الأفران من حلوى وسمك ولحمان، ومن كل ما حملت الأغصان من فاكهة ونخل ورمان.
أصدقت بعد هذا أننا قد بززنا الأمريكان في فن الإعلان؟
| التأمين على الموت
وسيأخذك العجب حين يقع بصرك على هذا العنوان، وستوجه الأمر على الخطأ، فتظن أنني أردت أن أقول: «التأمين على الحياة» فقلت: «التأمين على الموت» فبين الحياة والموت تضاد، والتضاد من أقوى العلاقات، وقد يتبادر إليك الظن بأنني أعبث أو أمزح بقلب المعنى، والدلالة بالنقيض على النقيض!
أنني أؤكد لك يا سيدي القارئ أنني لم تلحقني خطأ، ولم يزلقني غلط فقد تحريت هذا القول تحريا وتعمدته تعمدا، وأؤكد لك ثانيا أنني لا أقصد إلى عبث ولا إلى مزاح، فالأمر أجل من ذلك وأعظم، وستعلمن نبأه بعد حين!