تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فذلك بعض العز الذي ناله لقب «أفندي» في الزمان الطويل، أما الآن فكفاك الله شر الهوان، وعصمك من الاستكانة بعد السلطان، وحفظ مجدك من غدر الزمان!

أفندي! وهل أصبح يطيقها موظف أو طالب أو فتى يعيش بفضل إرث أو شاب تجري عليه وظيفة من وقف؟ فإذا دعوت أحدهم «بالأفندي» تجهم لك، وانعقد ما بين عينيه ألما وغضبا، وربما ابتدرك من القول أو الإشارة بما يسوءك، فإذا هو قبلها منك لشأنك ولموضعك، فهو إنما يتجرع ولا يكاد يسيغ!

ولقد أضحى الجميع يتداعون بلقب «البك»، صغارهم وكبارهم في هذا بدرجة سواء! ولا بأس بهذا وليكن شأننا فيه شأن إخواننا الأتراك.

بقيت «الأفندي» التي ذلت في هذا العصر وهانت ولم يبق لها من أمل تعيش عليه إلا في جماعات الحجاب والسعادة في الدواوين، فهم الذين يرضونها ويطمئنون بها، ويستريحون إليها دون سائر المطربشين.

أستغفر الله! فلقد نسيت عسكري الدورية، وهل يستطيع حوذي من أي صنف، أو بائع من هؤلاء المترفقين بأبدانهم، أو نحو هذين ممن يرهبون سطوة جندي النوبة أو يدعوه بيا عسكري، أو يا جاويش، إنهم جميعا ليدعونه «بيا أفندي» وكثيرا ما تكون هذه الدعوة المحببة سببا في الإغضاء، أو التلطف في القضاء!

أرأيت كيف صحت العبارة العامية في هذه الكلمة: «يقطع من هنا ويوصل من هنا!»

ولا أرى قبل أن أختم هذه الكلمة بدا من الإشارة إلى كلمة أخرى، بعثها السعد من الأرض وعلا بها على السحاب، فأضحت لأجل أصحاب المناصب أجل الألقاب.

لا أدري إن كنت تدري أو لا تدري أن ألقاب التشريف كانت تجري صعدا على النحو الآتي: حميتلو «بتشديد الياء»، وهذه لأصغر طبقات الموظفين. فرفعتلو، فعزتلو، فسعادتلو، فعطوفتلو، فدولتلو. وترجمتها على التوالي: صاحب الحمية، صاحب الرفعة، صاحب العزة ... إلخ.

فترى أن هذه الرقعة قد طارت من هذا المكان، وحلقت حتى أمست أعظم تشريف لرئيس الحكومة ولرئيس الديوان!

آمنت أن من الألقاب ما يهبط ومنها ما يصعد، ومنها ما يشقي ومنها ما يسعد، «وكذلك الدهر حالا بعد حال» ولله الأمر من قبل ومن بعد.

| في الضمير العام

يعتريك البياع من هؤلاء البياعين المضطربين في الطرق بسلعهم فيطرحها لنظرك، وقد تجيلها يده بين ذقنك وفخذك إن كنت جالسا حتى يحك بالوعاء: صندوقا أو عدلا أو سلة، صدرك. وقد تنازعك نفسك إلى أن تشتري، فتسأله الثمن فتراه يحلف لك مبتدئا مرتجلا متبرعا محتسبا، ولم تكن قد باديته بشك في قوله أو جرح في ذمته، يحلف لك بكل مؤثمة من الأيمان أنه إنما اشترى بعشرة قروش، ولا يطمع في أكثر من قرش واحد أو نصفه ربما لا يقوم بشيء من طول سعيه وكده، وإنه لا يتحرج من أن يدخل في يمينه الطلاق وفقد الولد، وذهاب البصر، وبطلان الشق بضربة الفالج ... إلخ! وتعرض عليه ثلاثة قروش مثلا أو ما دونها، فيتأبى ويعتذر، وقد يتركك ويمضي مهرولا مغذا، ليدخل في وهمك أنه لم يكن غاليا في عرضه ولا متأربا فإن راجعته وإلا ظل في هرولته حتى يغيب عن نظرك، ثم لا يلبث أن ينقلب إليك، فيحط الثمن إلى ثمانية، فإلى ستة، وهكذا لا يزال يتدلى حتى يصل إلى ما عرضت عليه أول الأمر، وكذلك تعقد الصفقة في سراح ورواح!

إن ما يستدعي البحث حقا، بل إن ما يشير الفزع حقا أن يحاول هذا الرجل أن يغشك ثم لا يلبث أن تنكشف محاولته، وأن يحلف بكل ما يحلف به، وسرعان ما يظهر كذبه ومينه وحنثه، ومع هذا وهذا لا يبض جبينه بقطرة واحدة من خجل أو حياء؛ بل إنه ليقاومك في ألوان من الحديث كأن لم يحمل وزرا ولم يقترف إثما، ولم يأت أي شيء مما يعاب به الناس!

وإن مما يستدعي العجب الأعجب، بل إن مما يثير الفزع الأفزع أن أكثر الناس حتى المتعلمين المثقفين منهم، لا ينكرون هذا على أولئك الباعة ولا يزجرونهم، ولا يظهرون الاشمئزاز منهم، ولا ينهونهم عن العودة لمثله!

قطوف البشري · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٥٢