تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد أذكر أنني كنت ذات صباح شاخصا إلى الجيزه، فإذا الترام مزدحم جدا، وأكثر زاحميه من الطلاب الذاهبين إلى مدارسهم ومعاهدهم هناك، فلم أصب لي مكانا إلا وقفة بجانب السواق، ولم يرعني ونحن في بعض الطريق إلا أن أرى رجلا مقبلا على الترام من قدامه، وقد تحرى المشي بين الشريطين، والسائق يجهد في دق الجرس له، وهو لا يعدل ولا ينحرف ولا ينثني، حتى إذا اقترب منه الترام - أو على الأدق - حتى إذا اقترب هو من الترام اقشعر جسدي ووقف شعر رأسي؛ فأسرعت إلى المفتاح. ورجعته في عنف ليقف القطار، فالتفت إلي السائق وقال لي في شيء من الغضب: ما الذي دعاك إلى هذا؟ قلت له: ألم تر كيف أن الرجل كان عازما على أن يدوس القطار في غير إشفاق؟! فاشكر لي أن نجيتك كما نجيت نفسي وسائر الركاب من هذا الخطر العظيم!

أما الذين يحاولون قطع الشارع من العبر للعبر، فأولئك شأنهم أعجب وأغرب، وصنيعهم ألذ وأطيب، ومن الظواهر التي تسترعي للنظر حقا في هذا الباب أنك تجد هؤلاء دائما مستعجلين جدا وشجعانا مقاديم، لا يهابون أشنع الموتات في سبيل ... لا شيء مطلقا من الأشياء!

يريد أن يعبر الشارع، فسرعان ما يعبره ما يجشم نفسه الالتفات ذات اليمين ولا ذات الشمال، ولعل أكثرهم يفحص عينيه من وقت العبور؛ لكيلا يرى الفواتك الجارية من هنا ومن هنا، وهذا ممكن ولعله في بعض الأحيان حسن، على أن هناك أمرا غريبا لا بد أن يكشف العلم عن سره في يوم من الأيام، ذلك بأن الإنسان يستطيع أن يفحص عينيه لكيلا يرى، فهل ترى لآذان هؤلاء الناس جفون أيضا يستطيعون أن يطبقوها؛ لكي يستريحوا من استماع دوي الترام وجرسه، وزمر الأتومبيل وكلاكسه؟

وإنك يا سيدي القارئ لترى في كل شارع، في كل يوم، وفي كل ساعة، وفي كل دقيقة من لا يرضون أن يطمئنوا في مواقفهم حتى يجوز الترام أو تجوز السيارة مهما تكن سرعتها وقربها منهم، بل لا بد من القفز أمامها وقطع الشارع فورا، ولماذا ينتظر المرء دقيقة أو بضع ثوان، والوقت كما تعرف من ذهب؟

ولقد كنت في يوم من أيام الأسبوع الماضي أمشي في شارع قصر ابن العيني على الطوار طبعا، وإذا بالترام القادم من ميدان الإسماعيلية يجري بآخر جهده، وإذا بشيخ مرسل اللحية؛ مخفوض الشارب، يضع على قبائه - قفطانه - معطفا، وعلى رأسه طربوشا، وفي يمينه عكازة وفي يساره مسبحة تتلقط أنامله حباتها دراكا، وأنت خبير بما تفعل مع ذلك شفتاه أما ما يشغل قلبه فلا يعلمه إلا الله! أقول وإذا هذا الشيخ يقفز من بين يدي الترام قفزة عنيفة نجا بها - والحمد لله - وإذا كان ظله القصير لم ينج من وطء العجلات الأولى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ولقد لحقت به، وقلت له: يا عم! قد يجوز أن حسابك دقيق مضبوط في قياس سرعة الترام، ومقدار المسافة التي عليك أن تقطعها بين يديه، ومدى جهدك في القفز، والمدة التي تحتاج إليها في ذلك، لقد يكون حسابك في كل أولئك دقيقا مضبوطا، ولكنك لم تدخل في هذا الحساب عثرة الرجل مثلا، أو اعتراض سيارة مفاجئة من شطر الطريق الذي تطليه، فكيف كانت تكون الحال؟

فأقبل علي وقال: أي والله يا ابني! صدقت، ولكن ... ربنا يستر! ... آمنت بالله!

وأرجو ألا تنسى أن هذه الكلمة «ربنا يستر»، هي في هذه البلاد شعار كل ملق بنفسه إلى التهلكة، أو بغيره إلى الهلاك.

ومن بضع عشرة سنة كنت أركب الترام، وكان مجلسي خلف السائق مباشرة، وبينا كان يجري بأقصى سرعته في شارع كلوت بك إذا فتى يجوز من أمامه، ولولا أن السائق أسرع فضبط العجلات «بالفرامل» ضبطا عنيفا رج الركب رجا عنيفا وأزعجهم ازعاجا شديدا، لصار هذا الفتى «المستعجل» للحظته أنقاضا على أنقاض.

إذن لقد وقف القطار، ومر الفتى لم يكلم أي عضو من أعضائه كلما، بل لقد امتاز على هؤلاء الراكبين بالدعة، فما وجف له قلب ولا نبض فيه عرق، ولا امتقع لونه ولا جف ريقه، ولقد بدا لي أن أنزل فأتبعه لأرى ما الذي أعجله من جلى الأحداث العالمية، حتى خاطر بحياته بهذا القدر المرعب المهول.

قطوف البشري · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٤٦